همسات تتلاشى في الخليج

همسات تتلاشى في الخليج

في منطقة الخليج العربي، ومنذ عقود قليلة، أي منذ وقت ليس ببعيد، كانت كلمة "أسطورة" تعامل أحيانا كنقيض للحقيقة، أو مدخل للتشكيك. لذلك تجنب طويلا بعض الباحثين الاشتغال عليها، حتى لا يساء فهمهم، رغم أن دراستها في الأنثروبولوجيا لا تعني الإيمان بها، بل فهمها كمنتج ثقافي. فكان الاهتمام الأكاديمي في هذه المنطقة قد مال طويلا نحو التاريخ السياسي والديني وتاريخ الدولة، على حساب التاريخ الثقافي الشعبي، بمعنى أن "السرد الكبير" طغى على "السرد الهامشي"، فظلت الأساطير تعيش غالبا في الهامش.

وحقيقة الأمر أن هذه المنطقة غنية جدا بالأساطير والحكايات الخرافية، التي دونت أخيرا، إلا أن الهوامش الصغيرة ظلت مهملة، فمن حكايات الجن في الصحارى، إلى أساطير الجبال، وخرافات القرى المهجورة، وصولا إلى المرويات الشفوية، من نجد وعسير والحجاز واليمن وظفار وجلفار ودبا والظفرة وبحر الخليج، هناك ما يمكن تسميته بالهوامش من الخرافات، أو الهمسات المتواترة، وهي مواد ثقافية لم تتحول إلى خطاب بحثي واسع بعد، كما حدث في بلدان أخرى، ولعدة أسباب متداخلة، أهمها نظرة أهل المدينة المعاصرة الدونية لهذه السطور التي بقيت طويلا في الذاكرة الشفوية: الجدات، الرعاة، الرحالة... ومع التحول السريع نحو الحداثة، انقطع هذا السند قبل أن يتحول إلى مادة بحثية منظمة.

بقيت تلك الهمسات النادرة ذات الرسائل الخفية للناس، وبعد تدوين جزء كبير من الأساطير الخليجية البحرية والصحراوية، خلال السنوات القليلة الماضية، شفهية في منطقتنا، ومن الممكن أن تختفي قبل أن تكتب، وهي بالعشرات إن لم تكن بالمئات، وأغلبها من دون بناء قصصي، وأحيانا بلا شخصيات. فمثلا هناك قصة ذلك القرين الذي يتبدل مكانه إن رحلت، وهو ليس مجرد قرين يوسوس، بل كيان يعتقد أنه يحضر بدل الإنسان في لحظة غيابه، لتروى القصة عن رجل يعود إلى بيته فيجد قرينه قد دخل قبله، أو قصة امرأة ترى في مكانين. الفكرة هنا ليست الخوف، ولا فقدان اليقين، بل طرح سؤال فلسفي قديم وهو: من أنا؟ مع التفكير بفلسفة الروح ذاتها، كهمسة نادرة، ولكن لأن تداولها بعد الإسلام أخذ يقترب من أسئلة عقدية، فقد بقيت تلك القصص شفهية ومبتورة.

وهناك همسات أخرى قديمة في بلادنا، لا زالت تقال، وترويها الجدات خصوصا، بأن بعض النخيل يختزن الأصوات، وأن الوقوف عنده ليلا قد يعيد لك الوشوشة، أي شيء يشبه الأصوات الخافتة، وكأن الأرض نفسها تحتفظ بالذاكرة الصريحة. والعجيب في واقعنا، حتى اليوم وبشكل فطري، أن أهل الخليج لا يزرعون النخل داخل الفناء، بل عند الأركان وخارج الحوش، خشية الالتباس مع صوت ما يصدر عن النخلة.

وهناك المرأة التي تضلل القوافل بلا أثر. هي ليست غولة أو جنية بالمعنى المعروف، بل امرأة تظهر للقوافل وتدلهم على طريق آمن، ثم يكتشفون أنهم عادوا إلى النقطة نفسها. والغريب هنا أنها لا تهاجم، بل تعيدهم إلى الضياع. وظيفة المرأة هنا ليست الرعب، بل التحذير من الثقة العمياء في الصحراء.

بقيت تلك الهمسات النادرة ذات الرسائل الخفية للناس، شفهية في منطقتنا، ومن الممكن أن تختفي قبل أن تكتب


كما يروى همسا عن أي بيت يبنى، ويعاد بناؤه مرارا ولا يكتمل أبدا، وكلما وصل أصحابه إلى السقف، حدث شيء غير مفهوم، سقوط، مرض، انسحاب البناء... وكان التفسير الشعبي له ليس لعنة، بل عدم قبول المكان لسكانه، وفكرة أن المكان يرفض الإنسان، لا العكس. هناك البحر أيضا إن وقفت أمامه، قد يهمس الإنسان باسمه، لا باسمه المتداول، بل باسمه "الأول" الذي لا يعرفه إلا أهله، ومن كان يستجيب، يمشي نحوه دون مقاومة، لنلاحظ أن الأمر هنا يمس الهوية: الاسم كمدخل للغواية. وقديما كان أغلب الناس يحملون اسمين، خوفا من السحر.

وأخيرا، بقيت هذه الحقول الفولكلورية الشفهية، غير حاضرة في المؤسسات الأكاديمية، مقارنة بدول عربية أخرى مثل مصر أو المغرب، حيث تشكلت مدارس مبكرة لدراسة الموروث الشعبي وليس فقط الأساطير والخرافات والأغاني الشعبية، بل حتى تلك الهوامش الغنية، ولعل السبب هو الخلط بين "الخرافة" و"الهوية"، في بعض السياقات عند الناس، وخشية أن يؤدي إحياؤها إلى ربط المجتمع بصور بدائية أو لا عقلانية، ففضلوا تجاهلها بدل إعادة قراءتها بوصفها جزءا من الذاكرة الثقافية، فغابت المادة مع غياب التخصصات.

يبقى السؤال اليوم: لماذا نذهب إلى الأساطير العالمية ونترك المحلية؟ مع العلم أن الصورة بدأت تتغير، فهناك اليوم جيل جديد من الباحثين والكتاب في منطقة الخليج العربي، أعادوا فتح هذا الملف، لا بوصفه تسلية، بل بوصفه مفتاحا لفهم الخيال الجمعي، والخوف، والبيئة، وحتى اللغة، لأنها في النهاية، ليست كذبا، بل طريقة قديمة في جزيرة العرب، لقول الحقيقة للجميع.

font change

مقالات ذات صلة