قد يظن قارئ رواية "النباتية" للكاتبة الكورية هان كانغ، أنه أمام حكاية بسيطة عن امرأة قررت الامتناع عن أكل اللحم، ليكتشف أنها أبعد من ذلك بكثير، فهي ليست عن الطعام، بل عن الإنسان حين يتعب من العالم، ويحاول أن يجد طريقة أخرى للوجود في داخله.
تبدأ الحكاية بقرار يبدو عاديا: امرأة شابة تدعى يونغهي تتوقف عن أكل اللحم بعد حلم دموي، لكن هذا القرار الصغير يتسع تدريجيا ليصبح شرخا في حياتها العائلية والاجتماعية. الزوج يرى في الأمر انحرافا عن النظام الطبيعي للحياة اليومية، والأسرة تتعامل معه كتصرف غير مقبول ينبغي تصحيحه بقوة. ومع تقدم الأحداث يتضح أن المسألة ليست مجرد عادة غذائية، بل بداية تحول أعمق، وهو ما يمنح الرواية قوتها السردية، فالبطلة نفسها لا تسرد قصتها، بل تظهر عبر أصوات الآخرين، كالزوج، ثم صهرها الفنان، ثم أختها الكبرى.. وهكذا تبقى يونغهي في قلب الرواية، لكنها تظل شخصية غامضة، نراها عبر العيون التي تنظر إليها. كل راو يفسر ما يحدث بطريقته الخاصة، وكأن الشخصية تتحول إلى مرآة تكشف الآخرين أكثر مما تكشف نفسها.
هذه التقنية منحت الرواية طبقة نفسية دقيقة. فالزوج يرى في زوجته امرأة عادية أفسدت حياته بقرار غير مفهوم، بينما ينظر الصهر إليها بوصفها موضوعا جماليا يثير خياله الفني، أما الأخت فتراها إنسانا هشا يحتاج إلى حماية. وبين هذه الرؤى المختلفة يبقى سؤال الشخصية مفتوحا: من هي يونغهي حقا؟
شيئا فشيئا يظهر العمق الحقيقي للرواية، والقائم في فكرتها الفلسفية، فقرار البطلة لا يتعلق بالطعام بقدر ما يتعلق بالعنف الكامن في الحياة البشرية. العالم الذي تراه يونغهي يقوم على الافتراس، فالبشر يأكلون الحيوانات، ويتنافسون على السلطة، ويخضع بعضهم بعضا في العلاقات اليومية. التوقف عن أكل اللحم يصبح إذن محاولة للانسحاب من هذه الدائرة. غير أنه كلما تقدم القارئ في الرواية، يجد أنها تذهب إلى أبعد من ذلك، فمع مرور الأحداث تتخلى البطلة تدريجيا عن الطعام نفسه، إلى أن تصل إلى فكرة غريبة، أنها يمكن أن تعيش مثل الأشجار، بالضوء والماء فقط. هنا يتحول القرار من موقف أخلاقي إلى تجربة وجودية، كأن الشخصية تحاول الخروج من طبيعة الإنسان ذاتها.
تذكرت هنا رواية "المسخ" لفرانز كافكا، وكيف يتحول البطل إلى حشرة في غرفته، والفرق بينها وبين "النباتية"، أن عند كافكا يحدث التحول فجأة، بينما عند "النباتية" تتحول ببطء شديد، وعبر انسحاب تدريجي من البشرية وشروط الحياة، لتأتي نهاية الرواية وتصل يونغهي إلى حالة من التلاشي الجسدي، بينما ترافقها أختها إلى المستشفى، وهناك يحدث التحول الحقيقي في وعي الأخت، فهي لا ترى فيما حدث مجرد مرض، بل تبدأ في التساؤل عن الحياة نفسها: هل كانت أختها مجنونة، أم إنها ببساطة لم تعد قادرة على التعايش مع قسوة العالم؟
القارئ يقرأ قصة إنسانية بسيطة، لكنه يجد نفسه أمام تأملات عميقة في معنى العنف والحرية والقدرة على العيش
وهذا السؤال يجعل الرواية قريبة في روحها من بعض أعمال الروائي المصري نجيب محفوظ، حيث تظهر الأسئلة الفلسفية داخل الحكاية اليومية من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر، فالقارئ يقرأ قصة إنسانية بسيطة، لكنه يجد نفسه أمام تأملات عميقة في معنى العنف والحرية والقدرة على العيش.
وقد يظن القارئ أن فكرة رواية "النباتية" مرتبطة بثقافة شرق آسيا وحدها، لكن التأمل فيها يكشف أنها قابلة للظهور في مجتمعات كثيرة، بما فيها العالم العربي، فالرواية في جوهرها لا تتحدث عن الطعام، بل عن الإنسان حين يشعر بثقل العالم من حوله. وفي مجتمعاتنا الخليجية نعيش تحولات سريعة بين الحداثة والاستهلاك وضغط التقاليد، قد يظهر التمرد في صورة أخرى، مثل انسحاب هادئ من الأدوار الاجتماعية المفروضة، أو رفض صامت لقواعد الحياة اليومية. لهذا تبدو "النباتية" رواية عالمية رغم خصوصية مكانها، فهي لا تروي قصة امرأة قررت أن تصبح نباتية، بل قصة إنسان حاول أن يجد طريقة مختلفة للوجود في عالم شديد الصخب، لتبقى "النباتية" في الذاكرة بعد إغلاقها، وتستحق بجدارة فوزها بجائزة "مان بوكر" عام 2016، ونوبل عن مجمل أعمالها عام 2024.. فكتاباتها لا تقدم جوابا واضحا، بل تترك القارئ أمام سؤال بسيط ومؤلم في آن واحد: هل يمكن للإنسان أن يعيش في هذا العالم دون أن يصبح جزءا من العنف الذي يقوم عليه؟