تعالوا نتأمل ونفكك دورا ثقافيا كاد يختفي من مجالسنا المعاصرة، وهو الخطيب، فهذه الكلمة في جذورها العربية لم تكن تعني الرجل الذي يقف على منبر مرتفع ليرفع صوته، ولا صاحب خطاب تعبوي يستدعى في الطقوس أو لحظات الحشد، بل كانت تشير إلى وظيفة ثقافية أعمق بكثير. كان الخطيب يستدعى حين تختلط القيم في المجتمع، وحين يحتاج الجميع إلى من يزن الكلام لا من يكرره، أي صاحب رأي يصغي قبل أن يتكلم، يجمع بين الفصاحة والحكمة.
في المجالس العربية القديمة لم يكن الخطيب واعظا دينيا بالضرورة، ولا خطيب حرب، بل كان أقرب إلى حكيم المجلس ولسان العقل الجمعي. لذلك لم تكن الخطابة تفهم بوصفها مهارة صوتية، بل باعتبارها قدرة على ترتيب المعنى وتوجيه الرأي. ولعل كتب التراث تقدم لنا إشارات واضحة إلى هذا الدور، ففي نصوص الجاحظ، مثلا، لا تمدح الخطابة لأنها عالية النبرة، بل لأنها قادرة على إصابة المعنى في وقته المناسب. أما ابن المقفع، في رسائله السياسية والأخلاقية، فيتحدث عن الكلمة باعتبارها أداة تدبير للمجتمع والشأن العام، لا وسيلة لإثارة الجماهير، وهذا ما نلاحظه في التراث العربي الغني الذي يقدم الفصاحة لا كزينة صوتية بل وعاء فكر، أي حكمة، كشرط سابق.
ولهذا السبب أيضا أسندت الحماسة في الثقافة العربية إلى الشعر أكثر مما أسندت إلى الخطابة، فالشعر يثير العاطفة ويوقظ الحمية، بينما الخطابة تضبط المعنى وتعيد التوازن. لذلك نجد أن كثيرا من خطباء العرب الذين حفظت الأخبار أقوالهم لم يكونوا شعراء بالضرورة، بل أصحاب حكمة وتجربة. يكفي أن نتذكر خطب قس بن ساعدة الإيادي في الأسواق العربية القديمة، حين كان الناس يجتمعون في عكاظ ليستمعوا إلى كلام يتجاوز اللحظة التجارية أو القبلية، ليصل إلى أسئلة الوجود والعدل والمصير. لم يكن الرجل يصرخ في قومه، بل يذكرهم بحدود الإنسان، وبمعنى الحياة والزوال.
لكن هذا الدور بدأ يتغير تدريجيا مع التحولات الكبرى التي عرفها العالم العربي في القرن العشرين. فمع توسع المؤسسات الحديثة، وتبدل طبيعة المجالس، تحولت الخطابة شيئا فشيئا من مقام اجتماعي إلى وظيفة. ولم يعد الخطيب شخصية ينتظرها الناس لأنها تمثل حكمة أو تجربة، بل أصبح في كثير من الأحيان صاحب خطاب مكتوب أو جاهز، يؤديه ضمن إطار محدد. ومع هذا التحول، حدث انفصال دقيق لكنه مؤثر: انفصلت الفصاحة عن الحكمة.
في الماضي، كانت الفصاحة شرطا للحكمة لأن الكلمة لا تقال إلا بعد تفكير طويل. أما اليوم فقد يحدث العكس، إذ يمكن لصاحب حضور قوي أو نبرة مؤثرة أن يسمى خطيبا، حتى لو لم يحمل رأيا عميقا أو رؤية متماسكة. وهنا لا تكمن المشكلة في تغير الأزمنة بقدر ما تكمن في تغير وظيفة الكلمة نفسها.
لم يعد الخطيب شخصية ينتظرها الناس لأنها تمثل حكمة أو تجربة، بل أصبح في كثير من الأحيان صاحب خطاب مكتوب أو جاهز، يؤديه ضمن إطار محدد
ثم جاء التحول الثالث، وهو تغير المجلس ذاته، فالمجلس العربي القديم كان مساحة نقاش وسؤال ومراجعة، بينما تحول الفضاء العام في زمن الإعلام السريع وقنوات التواصل الاجتماعي، إلى جمهور واسع ينتظر المعلومة العاجلة أو التعليق الفوري. ولهذا لم يعد الناس ينتظرون الخطيب كما كانوا يفعلون سابقا، بل ينتظرون المعلق أو المؤثر، أي صاحب الخبر أو الرأي السريع، لا صاحب الكلمة التي تفسر القلق الجمعي وتربط الحياة بالأخلاق والمعنى.
ومع ذلك، قد يكون الخطيب الحقيقي لم يختف تماما، بل غادر المنبر فحسب، فربما نجده اليوم في صورة كاتب صادق يزن عبارته قبل أن يطلقها، أو مثقف يجرؤ على السؤال حين يكتفي الآخرون بالتكرار، أو مفكر يحاول أن يعيد للكلمة وزنها في زمن الضجيج، فالخطيب في جوهره لم يكن يوما منصبا أو موقعا، بل كان موقفا. وحيثما خاطرت الكلمة بصدقها، واحتملت ثمنها، يعود الخطيب إلى الظهور، حتى لو لم يكن واقفا على منبر.