شهد العالم خلال عام 2025 تحركات حثيثة في السباق الفضائي تصاعدت وتيرتها مطلع أبريل 2026 بعد نجاح وعودة المركبة الفضائية آوريون، أول رحلة مأهولة تابعة لوكالة "ناسا" ضمن برنامج "أرتميس-2" تغادر مدار الأرض منذ آخر مهام الوكالة "أبولو-17" عام 1972، وهو ما يُعيد إلى الأذهان سباق استكشاف الفضاء أثناء الحرب الباردة بشكل أكثر تعقيدا تكنولوجيا وقانونيا، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها تنفيذ خطط لعودة الرحلات المأهولة بالبشر أواخر عام 2028، وإنشاء مفاعل نووي على سطح القمر بهدف توفير الطاقة اللازمة لإنشاء قاعدة قمرية دائمة على سطح القمر بحلول عام 2030.
كذلك، حذرت وكالة "ناسا" من تقدم البرنامج الفضائي للصين خاصة بعد إعلانها قرب هبوط رحلاتها المأهولة بالبشر، وإنشاء أول مفاعل نووي لقاعدة صينية على القمر بحلول 2030، وكذا عودة روسيا إلى برنامجها الفضائي بمشروع إنشاء محطة نووية قمرية بحلول 2036، وبهذا يتحول السباق من مجرد سباق لاستكشاف الفضاء، إلى ساحة لامتداد التنافس الجيوسياسي من الأرض إلى القمر والمريخ والأجرام الفضائية، وتحول الهدف إلى سباق لاستهلال استعمار الفضاء بداية من القمر واستغلال موارده لأغراض مختلفة مثل إنتاج الطاقة النووية، وهو ما يثير عدة تساؤلات جوهرية من منظور القانون الدولي العام والقانون الدولي للفضاء الخارجي، حول الإطار القانوني لهذا التنافس.
مفهوم القانون الدولي للفضاء الخارجي وتطور قواعده التقليدية
قانون الفضاء الخارجي هو "مجموعة القواعد، والمبادئ، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تنظم أنشطة الدول والجهات الفاعلة في استكشاف واستخدام الفضاء، القمر، والأجرام السماوية". وقد بدأ تطور هذه المنظومة القانونية في بدايات الحرب الباردة حين أطلق الاتحاد السوفياتي أول قمر صناعي باسم "سبوتنيك-1" عام 1957، ثم تبعه إطلاق الولايات المتحدة الأميركية القمر الصناعي "إكسبلورر" عام 1958، واحتدام السباق بين القوتين العظميين للصعود للفضاء والهبوط على القمر، فبينما كان للاتحاد السوفياتي السبق في إرسال أول إنسان إلى الفضاء عام 1961، نجحت الولايات المتحدة في إرسال أول إنسان على القمر عام 1969، ومنذ ذلك الوقت، بدأت دول كثيرة في السعي لتسجيل اسمها في قائمة قوى الفضاء.
وهو ما استدعى إنشاء جهاز مستقل جديد بالأمم المتحدة، لتنسيق جهود الدول الأعضاء لوضع قواعد عامة مجردة تحكم نشاط الدول في الفضاء الخارجي، فتأسست "لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية– United Nations Committee on the Peaceful Uses of Outer Space" (COPUOS)، عام 1959، وكان أول ظهور لنتائج جهودها في "معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية" عام 1963، والتي حظرت إجراء التجارب النووية في غلاف الأرض الجوي، والفضاء الخارجي وتحت مياه البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات، وقامت اللجنة بصياغة قانون الفضاء الخارجي في إطار قانوني يتكون من 6 معاهدات دولية هي:
1) "معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى"، عام 1967.
2) "اتفاقية إنقاذ رواد الفضاء، وإعادة رواد الفضاء، وإعادة الأجسام التي جرى إرسالها للفضاء الخارجي"، عام 1967.
3) "اتفاقية المسؤولية الدولية للأضرار الناجمة بسبب الأجسام الفضائية"، عام 1972.
4) "الاتفاقية المتعلقة بتوزيع الإشارات الحاملة للبرامج المرسلة عبر الأقمار الصناعية"، عام 1974.
5) "اتفاقية تسجيل الأجسام المُرسلة في الفضاء الخارجي"، عام 1974.
6) "اتفاقية تنظيم نشاط الدول على القمر أو الأجسام الفضائية الأخرى"، عام 1979.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، انخفض السباق، لكنه عاد مرة أخرى مع دخول الصين في سباق الفضاء وإرسال أول رحلة غير مأهولة إلى الفضاء عام 1999، ثم إرسالها أول رحلة مأهولة إلى الفضاء حول مدار الأرض عام 2003.


