الإطار القانوني لتنافس الدول لاستعمار الفضاء الخارجي

سباق حثيث

AP
AP
طائرة "بوينغ" طراز "787-9 دريملاينر" تابعة لشركة طيران الصين تحلق من مدريد في اتجاه بكين، أثناء تحليقها بجانب القمر فوق قرية بودلي، على بعد 70 كيلومترا شرق سان بطرسبرج، روسيا، الجمعة 17 مايو 2024.

الإطار القانوني لتنافس الدول لاستعمار الفضاء الخارجي

شهد العالم خلال عام 2025 تحركات حثيثة في السباق الفضائي تصاعدت وتيرتها مطلع أبريل 2026 بعد نجاح وعودة المركبة الفضائية آوريون، أول رحلة مأهولة تابعة لوكالة "ناسا" ضمن برنامج "أرتميس-2" تغادر مدار الأرض منذ آخر مهام الوكالة "أبولو-17" عام 1972، وهو ما يُعيد إلى الأذهان سباق استكشاف الفضاء أثناء الحرب الباردة بشكل أكثر تعقيدا تكنولوجيا وقانونيا، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها تنفيذ خطط لعودة الرحلات المأهولة بالبشر أواخر عام 2028، وإنشاء مفاعل نووي على سطح القمر بهدف توفير الطاقة اللازمة لإنشاء قاعدة قمرية دائمة على سطح القمر بحلول عام 2030.

كذلك، حذرت وكالة "ناسا" من تقدم البرنامج الفضائي للصين خاصة بعد إعلانها قرب هبوط رحلاتها المأهولة بالبشر، وإنشاء أول مفاعل نووي لقاعدة صينية على القمر بحلول 2030، وكذا عودة روسيا إلى برنامجها الفضائي بمشروع إنشاء محطة نووية قمرية بحلول 2036، وبهذا يتحول السباق من مجرد سباق لاستكشاف الفضاء، إلى ساحة لامتداد التنافس الجيوسياسي من الأرض إلى القمر والمريخ والأجرام الفضائية، وتحول الهدف إلى سباق لاستهلال استعمار الفضاء بداية من القمر واستغلال موارده لأغراض مختلفة مثل إنتاج الطاقة النووية، وهو ما يثير عدة تساؤلات جوهرية من منظور القانون الدولي العام والقانون الدولي للفضاء الخارجي، حول الإطار القانوني لهذا التنافس.

مفهوم القانون الدولي للفضاء الخارجي وتطور قواعده التقليدية

قانون الفضاء الخارجي هو "مجموعة القواعد، والمبادئ، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تنظم أنشطة الدول والجهات الفاعلة في استكشاف واستخدام الفضاء، القمر، والأجرام السماوية". وقد بدأ تطور هذه المنظومة القانونية في بدايات الحرب الباردة حين أطلق الاتحاد السوفياتي أول قمر صناعي باسم "سبوتنيك-1" عام 1957، ثم تبعه إطلاق الولايات المتحدة الأميركية القمر الصناعي "إكسبلورر" عام 1958، واحتدام السباق بين القوتين العظميين للصعود للفضاء والهبوط على القمر، فبينما كان للاتحاد السوفياتي السبق في إرسال أول إنسان إلى الفضاء عام 1961، نجحت الولايات المتحدة في إرسال أول إنسان على القمر عام 1969، ومنذ ذلك الوقت، بدأت دول كثيرة في السعي لتسجيل اسمها في قائمة قوى الفضاء.

وهو ما استدعى إنشاء جهاز مستقل جديد بالأمم المتحدة، لتنسيق جهود الدول الأعضاء لوضع قواعد عامة مجردة تحكم نشاط الدول في الفضاء الخارجي، فتأسست "لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية– United Nations Committee on the Peaceful Uses of Outer Space" (COPUOS)، عام 1959، وكان أول ظهور لنتائج جهودها في "معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية" عام 1963، والتي حظرت إجراء التجارب النووية في غلاف الأرض الجوي، والفضاء الخارجي وتحت مياه البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات، وقامت اللجنة بصياغة قانون الفضاء الخارجي في إطار قانوني يتكون من 6 معاهدات دولية هي:

1) "معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى"، عام 1967.

2) "اتفاقية إنقاذ رواد الفضاء، وإعادة رواد الفضاء، وإعادة الأجسام التي جرى إرسالها للفضاء الخارجي"، عام 1967.

3) "اتفاقية المسؤولية الدولية للأضرار الناجمة بسبب الأجسام الفضائية"، عام 1972.

4) "الاتفاقية المتعلقة بتوزيع الإشارات الحاملة للبرامج المرسلة عبر الأقمار الصناعية"، عام 1974.

5) "اتفاقية تسجيل الأجسام المُرسلة في الفضاء الخارجي"، عام 1974.

6) "اتفاقية تنظيم نشاط الدول على القمر أو الأجسام الفضائية الأخرى"، عام 1979.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، انخفض السباق، لكنه عاد مرة أخرى مع دخول الصين في سباق الفضاء وإرسال أول رحلة غير مأهولة إلى الفضاء عام 1999، ثم إرسالها أول رحلة مأهولة إلى الفضاء حول مدار الأرض عام 2003.

Handout / NASA TV / AFP
أفراد طاقم "أرتميس 2" خلال رحلتهم إلى مدار القمر، 3 أبريل 2026

نجحت الولايات المتحدة في إرسال أول إنسان على القمر عام 1969، ومنذ ذلك الوقت، بدأت دول كثيرة في السعي لتسجيل اسمها في قائمة قوى الفضاء


القواعد القانونية المنظمة لقانون الفضاء الخارجي

يمكن إيجاز أبرز القواعد القانونية التي وردت في الاتفاقيات التقليدية التابعة للأمم المتحدة على النحو التالي:

1) حرية استكشاف الفضاء الخارجي.

2) اعتبار الفضاء الخارجي تراثا مشتركا للإنسانية.

3) عدم قابلية الفضاء الخارجي والأجرام السماوية للتملك أو ادعاء السيادة من جانب أية دولة.

4) ملكية الدول وولايتها القانونية على أجسامها الفضائية وعلى كل العاملين بها.

5) نزع الأسلحة التقليدية والنووية عن الفضاء الخارجي والأجرام السماوية.

6) خضوع نشاط الدول في استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي والأجرام السماوية لقواعد القانون الدولي بما فيه ميثاق الأمم المتحدة.

7) المحافظة على سلامة رواد الفضاء.

8) التعاون والشفافية.

9) مسؤولية الدولة عن نشاطها بالفضاء الخارجي والأجرام السماوية.

استخدامات الدول للفضاء الخارجي

تتنوع استخدامات الدول للفضاء الخارجي على نحو يعكس حجم إمكانياتها وقدرتها على تحمل تبعات مخاطر استثماراتها في هذا الفضاء، ومنها:

1) أنشطة الاستخبارات: تشمل أعمال المراقبة والاستطلاع وهي الاستخدامات الأكثر شهرة للأقمار الصناعية، حتى وإن لم يتم الإعلان صراحة عن هذه المهام التي عادة ما تكون ذات طبيعة مزدوجة.

2) الأرصاد الجوية ورصد الأرض: حيث تقيس بعض الأقمار الصناعية المجالات المغناطيسية ومجالات الجاذبية للأرض، وبعضها الآخر يرصد التغيرات في الغطاء الأرضي والغلاف الجوي الناتجة عن تغيرات الطقس والمناخ.

3) إتاحة الاتصالات: توفر الأقمار الصناعية اتصالات بعيدة المدى من خلال النظام العالمي لتحديد المواقع الذي يساهم في توجيه خطوط الملاحة والبث التلفزيوني المباشر.

4) الردع المتبادل: مثل "مبادرة الدفاع الاستراتيجي" (برنامج حرب النجوم)، والذي تم إنشاؤه خلال فترة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عام 1983، وبرنامج استهداف الصواريخ الباليستية المضاد التابع للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، وبرنامج الصين في عام 2007، ثم الهند في عام 2019.

الاتفاقيات الحديثة غير التقليدية للفضاء الخارجي

خلال السباق الفضائي الجديد، تبرز الاتفاقيات غير التقليدية مثل "اتفاقيات أرتميس" (The Artemis Accords) التي تقودها الولايات المتحدة، مقابل مشروع "المحطة الدولية للبحث القمري" (The International Lunar Research Station) (ILRS) الصيني-الروسي المشترك، كمحاولات لملء الفراغات في قانون الفضاء الدولي التقليدي، المتمثل أساسا في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، فتُعد اتفاقيات "أرتميس"، التي وقعت عليها أكثر من 50 دولة بحلول 2025، مبادئ غير ملزمة قانونيا تشجع على استخدام الموارد الفضائية بشكل مستدام، وتدعم إنشاء "مناطق أمان" لتجنب التداخلات الضارة، معتمدة على تفسير معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 الذي يمنع الملكية الوطنية للأجسام السماوية أو ادعاء السيادة عليها، لكنه يسمح بالاستفادة من مواردها. أما مشروع "ILRS" الصيني-الروسي الذي يجمع عدة شركاء مثل مصر وباكستان وبيلاروسيا، فيركز على بناء محطة قمرية علمية مشتركة بحلول 2035، مع دمج استخدام الموارد الموجودة على سطح القمر، دون ادعاء سيادة، لكنه يعزز تحالفات موازية لـ"أرتميس".

ولا تمثل تلك الاتفاقيات خروجا عن المبادئ التقليدية بالضرورة، إذ تبني عليها لتعزيز التعاون والاستدامة، إلا أنها قد تؤدي إلى انقسامات "تحالفية" تتحدى الإطار الدولي الموحد، خاصة مع مخاوف صينية-روسية من أن مناطق الأمان الأميركية قد تكون ادعاءات إقليمية مستترة. أما السباق بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، فيعكس استمرارية للتنافس الجيوسياسي كما في الحرب الباردة، لكنه يشير إلى انحراف محتمل نحو عسكرة الفضاء القمري إذا لم يتم تنسيق الجهود متعدد الأطراف عبر الأمم المتحدة، مما يهدد بتصعيد التوترات بين عامي (2026-2030) مع تقدم المشاريع.

جيم واتسون- أ.ف.ب
خلال انطلاق مهمة "أرتميس 2" المأهولة إلى القمر من منصة الإطلاق 39B في مركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال، فلوريدا، في الأول من أبريل

 

لا تمثل تلك الاتفاقيات خروجا عن المبادئ التقليدية بالضرورة، إذ تبني عليها لتعزيز التعاون والاستدامة، إلا أنها قد تؤدي إلى انقسامات "تحالفية" تتحدى الإطار الدولي الموحد، خاصة مع مخاوف صينية-روسية من أن مناطق الأمان الأميركية قد تكون ادعاءات إقليمية مستترة



التحديات القانونية الناتجة عن الاستخدامات المزدوجة

في سياق السباق الفضائي الحالي، الذي يشهد تنافسا متزايدا بين القوى الكبرى والشركات الخاصة، تبرز التحديات القانونية الناتجة عن التقنيات ذات الاستخدام المزدوج (مدني/عسكري) كأحد أبرز الإشكاليات. فبينما تحظر المعاهدات التقليدية وضع أسلحة دمار شامل في المدار وتؤكد على الاستخدام السلمي، تواجه صعوبة في تطبيقها على هذه التقنيات، كأنظمة الاتصالات الفضائية مثل برنامجي "ستارلينك" (Starlink)، و"ستارشيلد"  (Starshield) التابعين لشركة "سبيس إكس" (SpaceX) المملوكة للملياردير إيلون ماسك، أو عمليات الاقتراب المداري وإزالة الحطام، التي يمكن تحويلها إلى أغراض عسكرية مثل الاستطلاع أو التدخل في الأقمار الصناعية. هذا الغموض يثير مخاوف من تصعيد النزاعات، حيث يُعتبر استهداف أجسام مزدوجة الاستخدام هدفا عسكريا مشروعا بموجب القانون الإنساني الدولي، مما قد يؤدي إلى أضرار مدنية هائلة بسبب الاعتماد العالمي على الخدمات الفضائية. كما يعيق نقص الآليات التنفيذية والتحقق في المعاهدات الحالية منع سباق التسلح، مما يستدعي تطوير اتفاقيات ملزمة جديدة لضمان الاستدامة والأمن في الفضاء.

السباق النووي على القمر

في ظل السباق لبناء مفاعلات نووية على سطح القمر، يثور تساؤل قانوني جوهري: هل يتعارض هذا النشاط مع مبادئ نزع السلاح النووي ومعاهدات الحظر التقليدية مثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؟ فعلى الرغم من حظر القانون الدولي لوضع أسلحة نووية في الفضاء، فإنه يسمح بالاستخدام السلمي للطاقة النووية، كما في خطط "ناسا" والصين لتوليد الطاقة لقواعد قمرية. ومع ذلك، يعاني القانون الدولي للفضاء من غموض في تنظيم استخراج الموارد القمرية، مثل "الهيليوم-3" الذي يُستخدم في الاندماج النووي، حيث تعتبر "اتفاقية القمر" لعام 1979 هذه الموارد "تراثا مشتركا للبشرية"، لكنها غير مصدق عليها من قبل الدول الكبرى، بينما تروج اتفاقيات "أرتميس" الأميركية لاستخراجها دون ادعاء سيادة. وفي سياق المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، تبرز مخاطر قانونية بارزة مثل النزاعات على الحقوق الإقليمية، الاحتكار الاقتصادي، والمخاطر البيئية كالتلوث الإشعاعي أو تعطيل البحوث العلمية، مما يستدعي إطارا دوليا جديدا لتجنب تصعيد التوترات إلى نزاعات فضائية.

NASA
لم يتمكن رواد فضاء أبولو الذين وصلوا إلى القمر من البقاء إلا لبضعة أيام

 

في ظل السباق لبناء مفاعلات نووية على سطح القمر، يثور تساؤل قانوني جوهري: هل يتعارض هذا النشاط مع مبادئ نزع السلاح النووي ومعاهدات الحظر التقليدية مثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؟ 


تفرض الآليات الواردة بالمعاهدات التقليدية مسؤولية مطلقة على الدول المنشئة للأجسام الفضائية عن الأضرار الناتجة من الحطام على سطح الأرض أو في الجو، بينما تعتمد المسؤولية في الفضاء الخارجي على إثبات الخطأ، كما في حالات التداخل بين الأنشطة مثل التصادمات في المدارات. أما التلوث النووي، فتحظره معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية، مع إمكانية اللجوء إلى التعويضات عبر لجنة مطالبات دولية إذا أدى ذلك إلى أضرار بيئية أو صحية. أما في النزاعات المحتملة للسباق الحالي، مثل التنافس على موارد القطب الجنوبي للقمر أو إنشاء مفاعلات نووية بحلول 2030 كما تخطط الولايات المتحدة، وروسيا والصين، فيمكن تطبيق هذه الآليات عبر التحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية لفرض تعويضات مالية أو وقف أنشطة ضارة، مما يعزز التعاون ويحد من التصعيد، رغم الثغرات في تنظيم إزالة الحطام النشط إشعاعيا.

font change

مقالات ذات صلة