متحف الخيال

متحف الخيال

هل احتاجت الرواية يوما إلى أن ترى؟ فمنذ الروايات الأولى، كانت قدرتها أن تنشئ عالما كاملا داخل الذهن، وأن تمنح القارئ حرية تشكيله كما يشاء، بلا وصاية من صورة جاهزة أو هيئة مفروضة، ومع ذلك، يظهر مشروع "متحف البراءة" للروائي التركي أورهان باموق بوصفه علامة فارقة، إذ يكشف تحولا أعمق في علاقتنا بالخيال، حين انتقلت الرواية من نص يقرأ إلى مكان يزار، وهنا لا يعود السؤال: كيف كتب الكاتب نصه؟ بل: لماذا احتاج النص إلى جسد؟

قرأت الرواية قبل سنوات، ثم شاهدت المتحف لاحقا، وقبل أسابيع خرجت إلى الجمهور في مسلسل تلفزيوني. ثلاث طبقات لتجربة واحدة: نص، ومكان، وصورة. وفي قلب هذه الطبقات، تبقى الرواية، في جوهرها، فن الاحتمال. كل قارئ يرى الغرفة بشكل مختلف، يتخيل وجه البطلة بطريقته، ويعيد ترتيب التفاصيل وفق حساسيته الخاصة.

هذا التعدد ليس عيبا، بل شرط جمالي أساسي. غير أن المتحف يقوم على نقيض ذلك: التثبيت.. هذه هي الغرفة، هذا هو الفستان، وهذه هي السيكارة التي تركت أثرها على الحافة. هنا، يتراجع الخيال خطوة، ليحل محله اليقين البصري. ربما لهذا تبدو تجربة المتحف مدهشة، لكنها أيضا مقلقة، مدهشة لأنها توسع حدود الرواية، وتمنحها حياة مادية، وتجعل من الحكاية أثرا يمكن حفظه داخل صندوق زجاجي. ومقلقة لأنها تكشف تحولا في ذائقة التلقي: انتقال هادئ من الإيمان بما يتخيل إلى الحاجة لما يرى.

في هذا السياق، يبدو المتحف امتدادا لروح عصر كامل. نحن نعيش زمنا يميل إلى الأرشفة والتوثيق، إلى تثبيت كل شيء قبل أن يتلاشى: الصور، الرسائل، الأصوات، وحتى اللحظات العابرة. هنا يصبح المتحف استجابة طبيعية لرغبة أعمق، وألا يضيع شيء، حتى لو كان وهما روائيا. ومع ذلك، يبقى الأدب، في جوهره، فن الإيحاء لا فن الحفظ، وقوته في ما يتركه ناقصا.

ولأن أورهان باموق روائي شديد الحساسية تجاه التفاصيل، فقد منح هذه الرواية تحديدا عشقا استثنائيا، متأثرا بقراءاته الأولى لقصص العشق في الحضارات الشرقية، كما أشار في مقابلاته. لم يكتف بكتابة قصة حب معاصرة، بل أراد تخليدها ماديا، فجمع الأشياء الصغيرة التي كان البطل يحتفظ بها من حبيبته "فوسون"، من أبسط التفاصيل إلى أكثرها خصوصية، ثم اشترى البيت نفسه، ليصبح المتحف امتدادا حيا للرواية. هذا التداخل بين الخيال والفعل نادر في تاريخ الأدب، أن يطبق الكاتب ما تخيله، وأن يمنح شخصياته أثرا يمكن أن يرى.

هذا التداخل بين الخيال والفعل نادر في تاريخ الأدب، أن يطبق الكاتب ما تخيله، وأن يمنح شخصياته أثرا يمكن أن يرى


ومن يزور المتحف يشعر بصدق خاص، وبقرب عاطفي من الحكاية، كأنها حدثت فعلا. لكن هذا الصدق نفسه يعيد طرح السؤال: هل أصبحت الرواية في حاجة إلى دليل مادي كي تصدق؟ أما المسلسل الذي خرج قبل فترة، فقد أضاف طبقة ثالثة للتجربة. جاء في تسع حلقات، وافتتح بلحظة لافتة يظهر فيها باموق نفسه، جالسا كمستمع إلى كمال، بطل حكايته، الذي يروي له قصة عشقه، كمدخل يطلب كمال من الروائي أن يكتب روايته. هذا الحضور لم يكن تمثيلا بقدر ما كان امتدادا لروح النص، إذ يظهر باموق بشخصه، محافظا على طبيعته، دون تمثيل، فهو يمثل نفسه، في تجربة تقترب بما يسمى "ما وراء القص". وبدأ يتحدث الممثل كمال معه عن عشقه، ويبدو أن باموق وافق على هذا الدور وفاء لروح الرواية.

وفي ختام العمل، يعود باموق إلى شقته الخاصة، وفريق المسلسل والتصوير معه، إلى مكتبه المطل على مضيق البوسفور، وعلى مسجد جهانكير العثماني الذي بناه المعماري سنان تخليدا للأمير الصغير جهانكير ابن السلطان سليمان، وهي ليست تفاصيل عابرة، بل جزء من عالمه الروائي، إذ لطالما شكلت هذه النافذة أحد منابع إلهامه.

 من يعرف شخصية باموق يدرك دقته الشديدة، وموافقته على تحويل روايته إلى مسلسل لم تكن سهلة. تشير تقارير صحافية إلى أنه خاض سابقا تجربة مع شركة إنتاج أميركية، قبل أن يستعيد حقوق روايته بعد خلافات حول تغييرات جوهرية في السيناريو. لذلك، في هذا العمل، لم يوقع العقد قبل اكتمال النص، واهتم باختيار الممثلين، وتابع تفاصيل الأداء صفحة بعد صفحة، واضعا شرطا واضحا: لا تغييرات تمس جوهر الرواية، مع احتفاظه بحق الانسحاب في أي لحظة.

ين الرواية والمتحف والمسلسل، باتت التجربة متوسعة في وسائط السرد، واختبارا لقدرة الرواية على البقاء.

font change

مقالات ذات صلة