العلا والاقتصاد الثقافي

العلا والاقتصاد الثقافي

استمع إلى المقال دقيقة

التاريخ الأثري يختار مكانه انطلاقا من أهمية المكان وقدرته على البقاء والوفاء لما يستودعه فيه، ومدينة العلا واحدة من المدن التي اختارها التاريخ الديني والطبيعي للحفاظ على ذاكرته وأحداثه ورسائله وحفرياته ومواقعه الأثرية كمشاهد مرئية تعيد تشكيل نظرتنا للزمن وما أحدثه فيها. التاريخ فيها لم يرو كحكاية مكتملة، بل ترك مفتوحا، قابلا لإعادة القراءة والتأويل.

مدينة العلا ليست ما نراه من نقوش على الصخور أو واجهات جمالية نادرة منحوتة في الجبال، بل هي كل ما يتراكم حولها من أسئلة: كيف عاشت فيها كل هذه الحضارات؟ وماذا تركت؟ وكيف يمكن أن نعيد فهمها اليوم بضخ الحياة فيها من جديد؟ لهذا وفي السنوات الأخيرة تحديدا، ومع التحولات الثقافية والاستثمارية السعودية وجد في العلا موقع يمكنه أن يتحول من أماكن جامدة إلى تجربة تعاش وتعيد التوازن بين الحفظ والتجديد، والذاكرة والخيال.

وعبر التاريخ، لم تكن العلا مجرد محطة عابرة، بل عقدة رئيسة على طرق التجارة القديمة، خاصة طريق البخور الذي ربط جنوب الجزيرة العربية ببلاد الشام ومصر منذ الألفية الأولى قبل الميلاد. هذا الموقع منحها دورا اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا ولوجستيا في آن واحد، حيث لم تكن القوافل تنقل السلع والغذاء فقط، بل تحمل إلى جوارها الأفكار واللغات وأنماط العيش والعادات والتقاليد والعلوم.

في مملكتي دادان، ولحيان، تظهر أولى ملامح التنظيم السياسي في شمال غرب شبه الجزيرة العربية، من خلال النقوش التي توثق القوانين والطقوس الدينية. أما في الحجر الذي يضم مدائن صالح فيتجلى التطور العمراني لدى الأنباط أبرز الممالك التي ازدهرت في الشرق القديم، وامتدت من عام 400 ق.م حتى 106م، حيث نحتت أكثر من 100 واجهة صخرية بدقة هندسية تعكس معرفة متقدمة بأساليب البناء وإدارة الموارد في بيئة صحراوية قاسية. هذا الإرث لم يبق في حدود الاكتشاف الأثري، بل أصبح اليوم جزءا من مشروع أوسع ضمن الخطط والاستراتيجيات السعودية التي ترى في تراث الأزمنة الأزلية مستقبلا هاما جعلها تنظر إلى العلا بوصفها نموذجا لإعادة توظيف التاريخ ضمن اقتصاد ثقافي معاصر لا يفصل بين الحفظ والتنمية.

ومن الحجر إلى جبل عكمة ذي اللون الأحمر الداكن وارتفاعه الشاهق يمكن قراءة ما يشبه أرشيفا للغات القديمة العائدة لحضارات اللحيانية والنبطية ومكتبتهم التاريخية المفتوحة التي حوت أكثر من 500 نقش ومنحوتة حجرية، وثقت الحضارات القديمة من أسماء أشخاص ووجوه بشرية وحيوانات، ودلالات على الآلات الموسيقية، والطقوس الدينية، كما عكست تطور اللغات واللهجات والممارسات الأدبية في العلا ما يمنح الباحثين مادة نادرة لفهم الحياة اليومية، وليس الأحداث الكبرى التي وقعت فحسب. ونظرا لقيمة جبل عكمة العالمية أدرج في 24 مايو/أيار 2023 في سجل "ذاكرة العالم" التابع لليونسكو، لأهميته التاريخية والثقافية، ولحماية النقوش والكتابات الخالدة.

الاستراتيجيات السعودية تنظر إلى العلا بوصفها نموذجا لإعادة توظيف التاريخ ضمن اقتصاد ثقافي معاصر لا يفصل بين الحفظ والتنمية

أما البلدة القديمة في العلا، التي يعود تاريخها إلى القرنين السادس والسابع للهجرة فهي تقدم نموذجا لعمارة تكيفت مع البيئة، باستخدام الطين والحجر المحلي لبناء جميع بيوت البلدة بتصميم متشابه من دورين، أرضي وعلوي، مع تصميم مميز لأزقة البلدة الضيقة لتقليل تأثير الحرارة. وهذه التفاصيل المعمارية ليست جمالية فحسب، بل عدت حلولا ذكية فرضتها البيئة في زمن لم تكن فيه الهندسة المعمارية إحدى كلياته ولا مؤلفاته المنتشرة، زمن لم يكن على دراية شاملة بالتغيرات الديموغرافية ومع هذا نشأت هذه البلدة وقاومت من أجل البقاء حتى اليوم الذي تضاعفت فيه أعمال التنقيب في منطقة العلا خلال السنوات الأخيرة لتظهر الاكتشافات الجديدة مقابر أقدم من الحقبة النبطية، وأدوات زراعية تشير إلى تطور أنظمة الري في الواحات. وجميع هذه الاكتشافات أسهمت في إعادة تشكيل فهمنا لدور العلا ليس باعتبارها ممرا تجاريا، بل كمجتمع أزلي مستقر ومتطور.

ومع إطلاق مهرجان العلا للفنون ظهرت هذه البقعة كمساحة إنتاج فني، إلى جوار كونها موقعا أثريا يخدم الكثير من أفكار الإنتاج، وتحديدا في نسخته الحالية 2026 التي شارك فيها فنانون من مدارس مختلفة، بعضهم يعمل على النحت البيئي، وآخرون على الفن المفاهيمي، ما خلق تنوعا بصريا وفكريا لافتا في وادي الفن، الذي يعد أحد أكبر مشاريع فن الأرض في العالم. وفيه تنفذ أعمال دائمة لفنانين عالميين، صممت لتتفاعل مع البيئة على مدى عقود، لا كمعارض مؤقتة، والفكرة هنا ليست عرض الفن، بل دمجه في دورة "الطبيعة" ليتغير مع الضوء، ويتأثر بالرياح، ويتآكل تدريجيا بعوامل التعرية كجزء من المكان والزمن. وهذا النوع من المشاريع يضع العلا في سياق عالمي مع تجارب مشابهة، لكنه يمنحها خصوصية نابعة من طبيعتها الجيولوجية وتاريخها الممتد، إضافة إلى أنه يحقق الهدف الذي أنجز من أجله مشروع "وادي الفن" الممتد على مساحة 65 كيلومتر مربع بدمج الأعمال الفنية مع الطبيعة، وتعزيز الحوار الإبداعي بين الفنانين وأمناء المعارض العالمية.

كيف يمكن لمكان واحد أن يجمع كل هذا الامتداد الزمني، ثم يقدمه للعالم بلغة معاصرة لا تفقده عمقه، ولا تفرغه من معناه

قد تبدو مدينة العلا السعودية مثل مراكش المغربية، وكيوتو اليابانية التي نجحت في الحفاظ على تراثها مع تطويره سياحيا، عدا أنها تضيف بعدا جديدا، يتمثل في دمج الفن المعاصر كجزء أساسي من هذه التجربة. وما يحدث في العلا منذ سنوات لا يمكن اختزاله في مهرجان أو مشروع أو خطة تنموية، بل هو محاولة أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وماضيه. فبدل أن يبقى التاريخ خلفنا، يتحول هنا إلى مادة نتحاور معها، ونبني عليها، ونختلف معها أحيانا. وقوة العلا لم تعد تكمن في آثارها، بل في قدرتها على أن تكون وسيطا بين أزمنة مختلفة، ومختبرا لنقوش وحفريات ورسائل القرون، مؤكدة أن الهوية ليست شيئا ثابتا، بل عملية مستمرة من الاكتشاف وإعادة الصياغة، وربما لهذا السبب تحديدا بدت العلا اليوم أقرب إلى سؤال منها إلى إجابة، سؤال عن كيف يمكن لمكان واحد أن يجمع كل هذا الامتداد الزمني، ثم يقدمه للعالم بلغة معاصرة لا تفقده عمقه، ولا تفرغه من معناه.

 


 

font change