معتزلات الكتابة

معتزلات الكتابة

استمع إلى المقال دقيقة

الكتابة عمل إبداعي حقيقي ينشأ نتيجة سنوات طويلة من الاستماع الداخلي، وتراكم التجارب التي تسهم في توليد لحظة إعادة كتابة العالم في عقل الكاتب.

وفي الوقت الحالي، تظهر تجربة المعتزلات الكتابية في السعودية باعتبارها مبادرةً تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الكاتب وتطوره الإبداعي. هذه المبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة ليست مجرد برنامج دعم، بل إعادة بناء للهيكل الزمني والإنتاج الثقافي الذي يعتمد عليه الإبداع.

المفهوم الرئيس هنا يقوم على توفير الظروف اللازمة للكتابة لمن هو كاتب جاد بالفعل. وبمعنى آخر، تتعامل هذه المبادرة مع الموهبة كقوة موجودة تحتاج إلى التحرر من ضغوط الحياة اليومية لكي تزدهر. وهذا يعد فرقا جوهريا بين مفهوم "التدريب" ومفهوم "التمكين". إن المعتزل الكتابي في هذا الإطار هو زمن محمي، لا تعوقه المهام اليومية، ولا تشوشه الالتزامات الاجتماعية، ولا تؤثر فيه سرعة الحياة الحديثة.

المعتزل في جوهره هو بمثابة نظام انتقائي يحقق توازنا بين التجارب المتنوعة داخل الحقول الإبداعية. لذلك، فإن التعامل مع جميع الكتاب على أنهم في المستوى نفسه من النضج الإبداعي، هو تبسيط مفرط، ومخل. فالكاتب الذي يكتب روايته الأولى لا يواجه التحديات التي يواجهها كاتب أنهى عدة أعمال، ولا يحتاج إلى النوع نفسه من الأسئلة أو الدعم أو النقد أو التشكيل. وفي هذه الحالة يمكننا تحويل أي معتزل إلى أندية اشتغال وتحرير إبداعي لإنتاج النصوص، وفي الوقت نفسه إعادة النظر فيها من لحظة تشكلها الأولى وحتى نشرها.

وهنا تتغير طبيعة الحضور داخل المكان. فالنص نفسه أصبح النص كيانا يُعاد تفكيكُه وبناؤه على أكثر من مستوى، ومبادرة، ومشروع، ولم يعد الكاتب هو محور العملية.

لكن هذا لا يعني أن المعتزل يجب أن يكون مكانا مثاليا بشكل مطلق، فهو يحمل معه عدة تساؤلات: من له الحق في الدخول؟ وكيف نحدد مدى استعداد الكاتب؟ وهل يتطلب كل نص فترات طويلة من العزلة ليكتمل؟ مثل هذه التساؤلات وغيرها تجعل من معتزلات الكتابة محليا أو خارجيا مشروعا ثقافيا مفتوحا على النقد والتطوير، بما يتجاوز الإجراءات الإدارية الجاهزة.

المساحة ليست العامل الوحيد في عملية الإنتاج الإبداعي، بقدر ما هي توافر مجموعةٍ من الشروط والمعايير غير الملحوظة

كما أن المساحة ليست العامل الوحيد في عملية الإنتاج الإبداعي، بقدر ما توافر مجموعة من الشروط والمعايير غير الملحوظة، لكنها أساسية، وأهمها وضوح المشروع الإبداعي لدى المشاركين، فحين يدخل كاتب للمعتزل دون فكرة واضحة عن مشروعه الأدبي، سينعكس ذلك عليه إلى مجرد نزهة أدبية، وسيشعر تلقائيا بأن الوقت أصبح عبئا عليه بدلا عن كونه فرصة. أما الكاتب المخضرم الذي يحمل مشروعا واضحا، حتى لو كان في طور التشكل، فإن الزمن الطويل يتحول معه إلى أداة لصقل هذا المشروع.

ولتوسيع جودة المعتزلات لا بد من استضافة محررين روائيين، ونقاد ممارسين فاعلين إلى جانب الكتاب، وهذا لا يعني فرض سلطة نقدية على العمل، بل خلق طبقات متنوعة من القراءة في اللحظة نفسها التي يكتب فيها النص. وهو تنوع يفتح للكاتب آفاقا لم يكن يراها أثناء الكتابة بمفرده.

إن التحدي الحقيقي في تصميم فريق المعتزلات يكمن في القدرة على ضبط العلاقة بين الأصوات المختلفة داخله، بحيث تبقى كل قراءة موجهة نحو خدمة النص، لا نحو التنافس عليه. من هنا تصبح مسألة الاختيار مرتبطة بوعي دقيق بموقع الكاتب داخل تجربته. فهناك من يحتاج إلى احتواء المشروع الأول، وهناك من يحتاج إلى تفكيك أدواته وإعادة اختبارها، وهناك من يدخل المعتزل وهو لا يبحث عن إنتاج نص جديد بقدر ما يبحث عن إعادة تعريف علاقته بالنص ذاته.

وقد ذهبت بعض التجارب العالمية إلى إلزام الكاتب في نهاية فترة معتزله المطولة بتقديم عمل مكتمل، إلى جانب نص تأملي يشرح فيه تجربته مع الكتابة ذاتها، وكأنه يكتب سيرة فكرية موازية لنصه الأدبي.

في الغرب لا ينظر إلى الإقامات الأدبية بوصفها مكافأة، بل بوصفها جزءاً من البنية الثقافية للإنتاج. وأقدم مؤسسات الإقامات الفنية والإبداعية مثل "يادو" أو "مكدوال كولوني" في الولايات المتحدة، أو "فيلا ميديتشي" في روما، قامت على فكرة بسيطة لكنها عميقة: "الكاتب يحتاج إلى وقت محمي كي ينجز عمله".

هذه المؤسسات لا تفرض على الكاتب ما يكتب، لكنها توفر له الشرط الأساسي للكتابة: الانقطاع المؤقت عن ضغط الحياة. وقد أثبتت هذه التجارب أن كثيرا من الأعمال الأدبية الحديثة الخالدة كانت نتاج فترات إقامة كهذه، حيث يتحول الوقت إلى مادة خام للإبداع.

ما يبدو واضحا من كل التجارب السابقة بدءا بالتراث العربي وانتهاء بالمبادرات والمؤسسات الحديثة أن الكتابة تحتاج دائما إلى مسافة. هذه المسافة ليست هروبا من العالم، بل محاولة لفهمه بعمق أكبر.

يجب أن لا تتحول المعتزلات إلى عزلة منفصلة عن الحياة، أو نشاط اجتماعي يفقده جوهره وقيمته التي أنشئ من أجلها

وبينما تتطور هذه المبادرات في العالم العربي، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على توازن دقيق، وهو: ألا تتحول المعتزلات إلى عزلة منفصلة عن الحياة، أو نشاط اجتماعي يفقده جوهره وقيمته التي أنشئ من أجلها، فإن بلغ هذا الحد، بات من الضروري إعطاء تراخيص دولية لمؤسسات خبرة تؤسس نموذجا خاصا.

ويبقى التحدي الأكبر أمام القائمين على هذه المبادرات، هو حماية الزمن الإبداعي من أن يتحول إلى برنامج إداري، والحفاظ على فكرة بسيطة لكنها جوهرية، أن كاتب المشاريع الروائية الجادة التي تخدم الإنتاج الثقافي الوطني لا يحتاج لأكثر من ثلاث خدمات داعمة لقلمه، ومشروعه: وقت يكون فيه صادقا مع نفسه كي يكتب، وحصانة ضد الظروف، وإعانته بما يخدم منجزه.

font change