الجامعة والمجتمع... من يقود من؟

الجامعة والمجتمع... من يقود من؟

استمع إلى المقال دقيقة

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد السؤال حول دور الجامعة سؤالا أكاديميا معزولا، بل أصبح قضية رأي عام تمس هوية المجتمع ومستقبله. وقد عاد هذا الجدل بقوة في السعودية مع ما أثير حول قرارات جامعة الملك سعود المتعلقة بإعادة هيكلة برامجها الأكاديمية، بما في ذلك تقليص أو إلغاء بعض التخصصات الإنسانية، في خطوة فسرت على أنها محاولة لمواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل.

هذه الخطوة، رغم ما تحمله من منطق اقتصادي واضح، فتحت بابا أوسع للنقاش: هل يجب أن تعيد الجامعات تشكيل نفسها وفق متطلبات السوق، أم إن دورها الأعمق يكمن في تشكيل هذه السوق نفسها عبر إنتاج المعرفة والوعي؟

تاريخيا، لم تكن الجامعة مجرد مؤسسة لتخريج الموظفين. فمنذ نشأة الجامعات الأولى في أوروبا، كانت فضاء لصناعة الأفكار، وتشكيل الوعي، وإنتاج النخب الفكرية. لكن مع صعود الاقتصاد الصناعي ثم الرقمي، تغير هذا الدور تدريجيا، وأصبحت الجامعات أكثر ارتباطا بالمنظومة الاقتصادية، بل وأحيانا خاضعة لها.

ومع ذلك، تشير أطروحة "الجامعات والثقافة" للباحثة أندري كامينو، الصادرة عن جامعة لندن عام 2009، إلى أن هذا التحول لا يعني اختفاء الدور الثقافي للجامعة، بل يعقده، إذ يؤكد أن "الجامعة اليوم لم تفقد علاقتها بالثقافة، بل أصبحت مؤسسة ثقافية أكثر تعقيدا" باعتبار الجامعة كيانا متداخل الثقافات: ثقافة البحث، وثقافة السوق، وثقافة النقد، باعتبار الجامعات فضاء ينتج نقدا ويطرح أسئلة ويحافظ على مساحة من الاستقلالية، إذن العلاقة ليست خطية كما يظن الكثيرون.

وكان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قدم إطارا نقديا لفهم هذه التحولات، حين ربط بين المعرفة والسلطة، معتبرا أن ما يدرس في المؤسسات التعليمية ليس محايدا، بل يعكس توازنات القوة في المجتمع. وبناء على هذا التصور، فإن توجيه التعليم وفق السوق لا يعني فقط تغيير التخصصات، بل إعادة تعريف ما يعتبر معرفة ذات قيمة. وهذا ما تؤكده الأطروحة حين تشير إلى أن التعليم الجامعي بات ينظر إليه كـ"سلعة اقتصادية" أكثر من كونه قيمة ثقافية رمزية.

سوق العمل نفسه لم يعد ثابتا، بل يتغير بوتيرة متسارعة، ما يجعل من مهارات التفكير النقدي والتعلم المستمر ضرورة لا ترفا

من زاوية أخرى، يطرح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس تمييزا مهماً بين "العقل الأداتي" الذي يركز على الكفاءة والإنتاج، و"العقل التواصلي" الذي يسعى إلى الفهم وبناء المعنى. وفي هذا السياق، تمثل العلوم الإنسانية العمود الفقري لهذا العقل التواصلي، إذ تمنح المجتمعات القدرة على التفكير النقدي، وفهم ذاتها، ومساءلة مساراتها. وتدعم الأطروحة هذا المعنى حين تربط الثقافة داخل الجامعة بـ"إنتاج المعنى بشكل جماعي وفهم العالم".

لذلك، فإن تقليص هذه التخصصات لا يمكن قراءته فقط كإجراء إداري، بل كتحول في تصور وظيفة التعليم نفسه. فالتعليم الذي يركز حصريا على المهارات التقنية قد ينجح في تلبية احتياجات السوق على المدى القصير، لكنه يطرح تساؤلات عميقة حول قدرته على بناء إنسان قادر على التفكير المستقل والتكيف مع التغيرات. خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن سوق العمل نفسه لم يعد ثابتا، بل يتغير بوتيرة متسارعة، ما يجعل من مهارات التفكير النقدي والتعلم المستمر ضرورة لا ترفا.

بل إن الجامعة، كما تؤكد الأدبيات الحديثة، تظل واحدة من آخر الفضاءات التي تتيح طرح الأسئلة الكبرى، والنقاش الحر، والاختلاف المنتج. وتوضح أطروحة كامينو أن الجامعات "توفر مساحة لطرح الأسئلة النقدية والتعبير عن الاختلاف والوصول إلى الفهم عبر المراجعة المستمرة". غير أن هذا الدور بات يواجه ضغوطا متزايدة، حيث "تسللت قيم السوق والمنافسة الاقتصادية إلى الجامعات وأعادت تشكيل ثقافتها المؤسسية".

وعلى المستوى الدولي، تتباين نماذج العلاقة بين الجامعة والسوق. ففي جامعة ستانفورد، تتجسد شراكة قوية بين البحث الأكاديمي والصناعة، ما أسهم في خلق بيئة ابتكارية متقدمة، وإن كان ذلك قد جاء على حساب تراجع نسبي في حضور العلوم الإنسانية. في المقابل، تحافظ جامعة أكسفورد على توازن تقليدي بين التخصصات العلمية والإنسانية، انطلاقا من رؤية تعتبر أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن تأهيله المهني.

أما في السياق السعودي، فإن السؤال يكتسب بعدا إضافيا يتعلق بالهوية. فالتخصصات الإنسانية، مثل اللغة العربية والتاريخ وعلم الاجتماع، وعلم النفس لا تقتصر وظيفتها على التعليم، بل تلعب دورا محوريا في حفظ الذاكرة الجماعية، وتفسير التحولات الاجتماعية، وتعزيز الانتماء الثقافي. ومن هنا، فإن أي تقليص لها يثير تساؤلات مشروعة حول من سيتولى هذه الأدوار في المستقبل، رغم أن الأطروحة تؤكد أن الجامعة لا تزال تحتفظ بكونها "فضاء لتعدد القيم وإنتاج المعاني".

لا يعني ذلك رفض تحديث التعليم أو تجاهل متطلبات السوق، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الجانبين. جامعة تستجيب لحاجات الاقتصاد دون أن تفقد رسالتها الثقافية، وتواكب المستقبل دون أن تنفصل عن جذورها.

الجامعة التي تفقد استقلالها المعرفي تفقد قدرتها على الإبداع، والمجتمع الذي يتجاهل المعرفة يفقد بوصلته

في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال دور الجامعة في وظيفة واحدة. فهي ليست فقط مصنعا للمهارات، ولا مجرد حافظة للتراث، بل فضاء مركب يجمع بين الاثنين. والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا في كل عملية إصلاح هو: هل نعيد تشكيل الجامعة لتخدم السوق، أم نعيد تشكيل السوق ليواكب المعرفة؟

ربما تكون الإجابة الأكثر اتزانا هي أن العلاقة بين الطرفين يجب أن لا تكون علاقة تبعية، بل علاقة تأثير متبادل. فالجامعة التي تفقد استقلالها المعرفي تفقد قدرتها على الإبداع، والمجتمع الذي يتجاهل المعرفة يفقد بوصلته.

font change

مقالات ذات صلة