نوري المالكي يخرج حافي القدمين

عاد المالكي من حلم الوصول مرة أخرى للرئاسة، يمشي حافي القدمين كما يقول نزار قباني

نوري المالكي يخرج حافي القدمين

استمع إلى المقال دقيقة

لم يترك نوري المالكي رئيس وزراء العراق الأسبق، إرثا جيدا، لا في العراق، ولا في الإقليم، ولا في العالم. أحال العراق إلى ساحة إيرانية. وأدخل الأميركيين من أوسع الأبواب لتأمين مصالحهم. وعطّل الفعل العربي لمحاولة استعادة العراق من أزماته، وقوض مشاريع التعاون مع الجوار.

أنهى استقلالية البلاد المنشودة من زمن الهيمنة والاحتلال. وراهن على خدماته لملالي إيران وسادة البيت الأبيض. كان درسا لساسة العراق الذين أدركوا إشارة الرئيس دونالد ترمب والفيتو الرئاسي في البيت الأبيض ضده، فاختلف القادة والزعامات في شأن مصيره، ليحل مكانه علي الزيدي، القادم من عوالم المال والخبرة المتعددة الوجوه في الإدارة المالية والسلة الغذائية والعلوم المصرفية.

خبرة شاب، أنهت طموح المالكي بغمزة عين من ترمب، الذي اعتبر المالكي مجرد دمية في يد إيران، وأكبر معين لـ"الحرس الثوري"، وكان على المالكي أن يدرك أن قماشته لا تنتمي لزمن الكبار ممن تعاقبوا على رئاسة وزراء العراق أمثال عبد الرحمن النقيب وعبد المحسن السعدون وياسين الهاشمي وآخرين، وأولئك الأوائل جاءوا من رحم الحركة العربية ودعوة الاستقلال والنضال ضد الاستبداد العثماني ولاحقا الانتداب البريطاني. فيما هو جاء من عباءة "المرشد" الإيراني وعوالم المال المشبوهة، وتوج إنجازاته بالثراء الواسع والفساد الكبير، فيما الآباء المؤسسون للرئاسات العراقية توجوا مسيرتهم بالاستقلال العراقي في أكتوبر/تشرين الأول 1932.

خرج المالكي لا بواكي ولا نوائح تنعاه، حتى "الإطار التنسيقي" اختلف عليه، ولم يدافع عنه، إذ فهم "الإطار" رسالة ترمب جيدا. وترك المالكي للحظاته الأخيرة، ليلملم هزيمته وهزيمة "حزب الدعوة الإسلامية" معه، وهو الذي اكتوي بنار العراق السياسية طويلا.

لم تكن التحفظات على المالكي أميركية فحسب، بل من داخل البيت الشيعي، بالإضافة إلى رفض معلن من قبل كتل سنيّة وازنة. ولم يشفع له نفوذه الواسع، الذي استخدمه من أجل تعظيم فساده الواسع إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ العراق. وأبرز إنجازاته، كانت في تراجع احتياطات البنك المركزي العراقي، ونَهبها إلى مستوي غير مسبوق.

عاد المالكي من حلم الوصول مرة أخرى للرئاسة، يمشي حافي القدمين كما يقول نزار قباني. وفي دفتر خيباته الكثير مما يدون ويقال في رئاسته السابقة، من إخفاق أمني وسيطرة لـ"داعش" على أجزاء واسعة من العراق، إلى تعميق الشرخ الطائفي عراقيا، إلى الانهيار الإداري، وصولا لأزمة الثقة مع الحلفاء، مما أدّى إلى إنهاء ولايته، التي حاول تكرارها ثانية، لكن أقدار بغداد المكلومة، فهمت رسالة أميركا جيدا، وواقع إيران الراهن الذي لم يعد بإمكانها إنعاشه للعودة ثانية.

تسبب المالكي بإصابات بالغة للقلب العراقي، مع الداخل ومع الشركاء، لكنه أسقط هذه المرة بلا هوادة، مع أنه كان يردد أن لا نية لديه للانسحاب. فكان إعلان القلق الأميركي من عودته سبيلا لخلاص العراقيين لا ممن يشبههم. بل ممن يتماهى مع الأعداء لأجل مصالحه فقط، بعد أن أسقط العراق بداء التذرر والانقسام الطائفي.

أطل المالكي على العراقيين بعد عام 2003 محملا بالثأر من السنّة، ممتلئا بكبرياء أصحاب الصفقات المالية، الذي يخفي ملاءة عالية بالنفاق، فلم يتق الله في بلده ولا في شعبه الجريح من تعدد النكبات وطول الحصار

نسي المالكي إرث العائلة والقبيلة المحترمة، ونسي كذلك سيرة جده محمد حسن أبو المحاسن أحد أبرز الشخصيات الدينية والسياسية في العراق ووزير المعارف في العهد الملكي، وأبرز شعراء "ثورة العشرين"، ومع أنه تخصص في دراسته بأصول الدين والسياسة، إلا أنه لم يدرك أي شيء من بلاغة السياسة وحكمة الدين، ومعني حب الأوطان.
كان مجرد دمية بيد طهران، ولم يتعلم من حكمة المنافي في عهد صدام حسين، بل عاد أكثر شهوة للسلطة والمال، وأكثر ارتباكا وكذبا على شركائه، المحليين والدوليين، وما أصعب شبع الجائع حين يحكم مصائر الناس.
نسي أن كربلاء التي ولد فيها، يكمن فيها سرُّ العراق وبركته، وأن التشيع عنوانه التقوى وخدمة الناس، وممارسة الزهد والورع.
أطل على العراقيين بعد عام 2003 محملا بالثأر من السنّة، ممتلئا بكبرياء أصحاب الصفقات المالية، الذي يخفي ملاءة عالية بالنفاق، فلم يتق الله في بلده ولا في شعبه الجريح من تعدد النكبات وطول الحصار.
أوجد للعراق صيغة بلد تابع، بعد أن كان أول بلد عربي يستقل عن بريطانيا عام 1932، فأسقطه، وسقط معه وفيه، وكانت عيناه خلال رئاسة الوزراء مشغولة بما في طهران ودمشق من طموح غائر بالهيمنة على العراق، أكثر من انشغاله ببغداد وهمومها. فأسقطها بالعنف وتمرد الميليشيات والفساد. فكان أول معارضيه يومها مقتدي الصدر الذي أدرك أن العراق بات حديقة خلفية لإيران. وحين نافسه إياد علاوي الرجل العراقي الوطني عام 2010 ادّعى أن الانتخابات زورت، لكن الفرز أكد استحقاق علاوي لمكانته، وعلاوي رغم خلافه مع صدام حسين فإنه لم يخشَ إعلان حبه له كما يحب العراق.
بيدا أن المالكي عاد وأنهى الاستقرار الذي صنعه علاوي، فأغرق العراق في جحيم الانقسام وتعميق تهميش السنة، ليأتي علي الزيدي، وأمامه العراق المصاب بفوضى القرار السياسي، وأذرع إيران الجريحة، والإقليم المضطرب، لكن العراق يظل سامقا قادرا على النهوض من جديد.
ختاماً، سقط المالكي بداء التبعية، وأسقط العراق بداء القمع، عكس ما كان يتمنى مظفر النواب إذ قال في أمنياته:
"أي إلهي إنّ لي أمنية
أن يسقط القمع بداء القلب
والمنفيون يعودون الى أوطانهم ثم رجوعي"


فهل يعود اللحن عراقياً، وهل تنتهي حفلة إيران على يد الزيدي؟ كل ذلك بِرَهنِ العراقيين وقيادتهم السياسية الراهنة.

font change