أدونيس والجابري وسؤال النهضة

أدونيس والجابري وسؤال النهضة

استمع إلى المقال دقيقة

حين نتأمل الفكر العربي الحديث، نجد أن كثيرا من مشاريعه الكبرى لم تكن مجرد محاولات للشرح أو التفسير، بل كانت محاولات لإعادة بناء الوعي العربي نفسه. ومن بين أبرز هذه المشاريع يبرز مشروع الشاعر أدونيس، ومشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري. كلاهما انطلق من سؤال واحد تقريبا، لماذا تعثر العالم العربي؟ وكيف يمكن استعادة القدرة على الإبداع والدخول في الحداثة؟ لكن الطريق الذي سلكه كل واحد منهما كان مختلفا جذريا، حتى بدا أنهما يمثلان رؤيتين متعارضتين لطبيعة الأزمة العربية نفسها.

أدونيس رأى أن الأزمة في جوهرها أزمة خيال وروح وثقافة عميقة. كان يعتقد أن العقل العربي التاريخي خضع لهيمنة النقل والتقليد، وأن الثقافة العربية منذ قرون طويلة فقدت قدرتها على التمرد الخلاق. لذلك لم يكن مشروعه مشروعا سياسيا مباشرا، ولا مشروعا معرفيا تقنيا بالمعنى الأكاديمي، بل كان مشروعا شعريا حضاريا يسعى إلى تحرير الإنسان العربي من البنية المغلقة التي تحاصره. ولهذا ارتبط عنده الشعر بالفكر، واللغة بالتحرر، والإبداع بالثورة على الثبات.

أما الجابري فاقترب من المسألة بطريقة مختلفة تماما. لم يكن معنيا أساسا بالخيال أو بالثورة الشعرية على التراث، بل بتحليل البنية العقلية التي أنتجت الثقافة العربية. ولهذا جاء مشروعه أقرب إلى التشريح المعرفي للعقل العربي، حيث حاول أن يدرس كيف تكوّن هذا العقل، وكيف يعمل، وما العوائق الداخلية التي تمنعه من إنتاج حداثة عقلانية. ومن هنا جاءت سلسلته الشهيرة "نقد العقل العربي"، التي أراد من خلالها تفكيك الأنظمة المعرفية التي حكمت الثقافة العربية عبر التاريخ.

الفرق الأول بينهما يظهر في الموقف من التراث. أدونيس ينظر إلى التراث بوصفه ساحة صراع بين تيارين، تيار حي مبدع ومتمرد، وتيار سلطوي مغلق. لذلك كان يبحث داخل التاريخ العربي عن الأصوات الخارجة على النسق، المتصوفة، والشعراء، والحركات الباطنية، وكل ما يمثل طاقة اختراق وتمرد. بالنسبة إليه، النهضة لا تتحقق عبر استعادة التراث كما هو، بل عبر اكتشاف العناصر المقموعة داخله وإعادة إحيائها.

أما الجابري فكان أكثر ميلا إلى التنظيم العقلاني للتراث. لم يكن يبحث عن الأصوات المتمردة بقدر ما كان يبحث عن البنية المعرفية القادرة على تأسيس عقل حديث. ولهذا أعاد تقسيم التراث إلى أنظمة معرفية، البيان، والعرفان، والبرهان. واعتبر أن أزمة الثقافة العربية تكمن في هيمنة البيان والعرفان على حساب البرهان. لذلك منح مكانة خاصة للفكر الأندلسي، وخصوصا ابن رشد، لأنه رأى فيه النموذج الأقرب إلى العقلانية الحديثة.

هنا يظهر اختلاف عميق بين المشروعين. أدونيس يميل إلى هدم البنية التقليدية عبر الانفجار الشعري والروحي، بينما الجابري يريد إعادة ترتيبها عقلانيا من الداخل. الأول أقرب إلى شاعر يريد تحرير الوعي، والثاني أقرب إلى مهندس يريد إصلاح جهاز التفكير نفسه.

حتى اللغة عندهما تكشف هذا الاختلاف. لغة أدونيس كثيفة، رمزية، مليئة بالإشارات والاستعارات، لأنه يرى أن اللغة ليست أداة محايدة، بل هي جزء من تكوين الإنسان نفسه. أما الجابري فلغته تحليلية مباشرة، تميل إلى التصنيف والتقسيم والتوضيح، لأنه يتحرك داخل أفق فلسفي معرفي يريد بناء مفاهيم واضحة وقابلة للفحص.

ومع ذلك، فالمشروعان يلتقيان في نقطة مهمة جدا، كلاهما كان يشعر أن العالم العربي يعيش قطيعة مع الإبداع التاريخي. كلاهما رأى أن الأزمة ليست سياسية فقط، بل أعمق من السياسة، لأنها تتعلق بطريقة التفكير والنظر إلى الإنسان والعالم. ولذلك لم يكتف أي منهما بالشعارات الأيديولوجية المباشرة، بل حاول أن يذهب إلى الجذور الثقافية للحالة العربية.

منح الجابري مكانة خاصة للفكر الأندلسي، وخصوصا ابن رشد، لأنه رأى فيه النموذج الأقرب إلى العقلانية الحديثة

لكن المثير أن كلا منهما تعرض أيضا لانتقادات واسعة. أدونيس اتهم بأنه يبالغ في الهجوم على التراث العربي الإسلامي، وأن مشروعه ينتهي أحيانا إلى نوع من القطيعة الجذرية مع الهوية التاريخية للمجتمع. كما رأى بعض النقاد أن خطابه يحتفي بالنخبة الثقافية أكثر مما يقترب من الواقع الاجتماعي والسياسي الفعلي.

أما الجابري فاتهمه خصومه بأنه اختزل التراث في تقسيمات صارمة، وبأنه منح العقلانية الأندلسية مكانة مركزية على حساب تيارات أخرى داخل الحضارة الإسلامية. كما رأى بعضهم أن مشروعه بقي أسير الإطار العقلاني الحديث، ولم ينتبه بما يكفي إلى الأبعاد الوجودية والروحية والرمزية في الثقافة.

ومع هذا كله، يبقى الاثنان من أهم المشاريع الفكرية العربية الحديثة. لأن قيمتهما الحقيقية لا تكمن فقط في النتائج التي وصلا إليها، بل في إعادة طرح السؤال الحضاري العربي بصورة عميقة. لقد حاولا أن يخرجا الفكر العربي من دائرة الخطابة السياسية المباشرة إلى مستوى التفكير في شروط النهضة نفسها.

وربما يمكن القول في النهاية إن أدونيس يمثل سؤال الحرية والإبداع، بينما يمثل الجابري سؤال العقل والتنظيم المعرفي. الأول يريد تحرير الروح العربية من الجمود، والثاني يريد تحرير العقل العربي من اختلالاته البنيوية. وبين المشروعين يتكشف جانب كبير من أزمة الثقافة العربية الحديثة، أزمة تبحث في الوقت نفسه عن الحرية والعقل، عن الخيال والنظام، وعن القدرة على أن تدخل الحداثة من دون أن تفقد ذاتها.

font change