بتول علوش... حين تتحول المرأة إلى ساحة صراع سياسي

بتول علوش... حين تتحول المرأة إلى ساحة صراع سياسي

استمع إلى المقال دقيقة

تحولت قضية بتول علوش إلى قضية رأي عام؛ قضية فتاة تبلغ من العمر 21 عاما، صارت حديث السوريين وغيرهم على مدى الأيام الماضية. هل بتول مختطفة؟ هل هي سبية؟ هل قررت ترك منزل أهلها وتغيير مذهبها بإرادتها، أم إن أحدا أرغمها على ذلك؟ أسئلة كثيرة طُرحت، وإجابات كثيرة أُعطيت، وبيانات كُتبت، وأحكام قطعية صدرت، وبكل هذا وذاك كانت تلك الفتاة الخجولة التي تحولت إلى خبر عاجل.

لن أُصدر حكما قطعيا بشأن حقيقة ما حصل مع بتول، ولكن أكثر ما استرعى انتباهي هو كيف تحولت بتول، وقبلها أسماء أخرى لكل منهن قصة، إلى مادة للجدال السياسي بين السلطة ومعارضيها، وإلى فرصة لتسجيل النقاط في الخلاف السياسي والانقسام الحاد بين الطرفين.

بالنسبة إلى السلطة ومؤيديها، بتول فتاة علوية قررت اتباع المذهب السني وارتداء الحجاب بكامل إرادتها، والقول إنها مخطوفة ليس سوى محاولة لتشويه صورة السلطة والتحريض عليها.

أما بالنسبة إلى معارضي السلطة، فبتول فتاة علوية أُرغمت على اتباع المذهب السني بعد خطفها بطريقة ما، وإجبارها على ارتداء الحجاب ولباس غريب عن المنطقة؛ حتى إن حجابها لا يشبه حجاب كثير من السيدات السوريات.

أكثر ما استرعى انتباهي هو كيف تحولت بتول، وقبلها أسماء أخرى لكل منهن قصة، إلى مادة للجدال السياسي بين السلطة ومعارضيها


دارت معركة إعلامية بين الطرفين، وكان كلا الطرفين يتعامل مع بتول بوصفها مادة لرمي الاتهامات أو دحضها، لكن الأسئلة الأساسية غابت عن الجدل إلى حد كبير، فالفتاة في هذه المعركة لم تكن إلا مادة للتجاذب وتصفية الحسابات.

مؤيدو السلطة صاروا مدافعين عن خيار بتول الذي اتخذته بكامل إرادتها، وفقا لما يقولونه. ومن اللافت أن يدافعوا عن حق الفتاة في اختيار مصيرها واتخاذ ما تراه متوافقا مع معتقداتها، ولكن ماذا لو كانت بتول فتاة أخرى قررت ترك منزل والديها وخلع الحجاب؟ هل سيبقى المدافعون عن خيار بتول اليوم مدافعين عن خيار غيرها وحقها في ممارسة معتقداتها؟ أظن، وإن كان الجواب معروفا للجميع، أن السؤال بقي غائبا عن النقاش.

أما معارضو السلطة، فقد وجدوا في قضية بتول مادة لتصويب سهامهم عليها، ولم ينتبهوا، في خضم معركتهم، إلى أنهم صاروا نسخة عمّن يدّعون معارضته. نسويات ومدافعات ومدافعون عن حقوق المرأة تعاملوا مع قضية فتاة تبلغ من العمر 21 عاما وكأنهم يتعاملون مع كائن قاصر لا يملك أن يتخذ قراره بنفسه. وهنا لا أتحدث عن بتول، المختطفة أو الهاربة، بل عن كيف تحول من يقول إنه مع إعطاء المرأة حقوقها كاملة إلى شخص يسلبها حقوقها، بقصد أو دون قصد. فبدلا من إعطاء بتول الحق في أن تختار ما تريد بكامل إرادتها، أرادوا إعادتها إلى منزل والديها، وبعضهم أراد ذلك بقرار قضائي. صحيح أنها تبلغ من العمر 21 عاما، ومع ذلك- دعما لنظرية الخطف والسبي- لم يضعوا في بالهم، ولو بنسبة مئوية متدنية، أن دعوتهم هذه تمثل انتهاكا لحقوقها التي يدّعون الدفاع عنها.

في عام 1936، أصدر رضا شاه بهلوي في إيران مرسوما حظر فيه رسميا جميع أنواع الحجاب والشادور في الأماكن العامة. وفي عام 1979، وبعد انتصار الثورة الإيرانية، أصدر الخميني مرسوما فرض فيه على جميع النساء الالتزام بالزي الإسلامي ووضع غطاء الرأس (الحجاب). وبين هذا وذاك، كانت حرية المرأة في الاختيار مصادَرة.

قلة قليلة جدا تؤمن حقا بالمساواة وبحق المرأة في الاختيار. كثرٌ يمارسون الوصاية على المرأة، أيا يكن عمرها، وكأنهم يعرفون مصلحتها أكثر منها

في إيران، في زمن الخميني وبعده في عهد خامنئي، دفعت مئات النساء حياتهن ثمنا لدفاعهن عن حقهن في الاختيار. لكن ما يغيب عن بال وفكر الكثيرين والكثيرات ممن يدّعون الدفاع عن المرأة وحقوقها، هو أن عدم وضع غطاء الرأس حرية شخصية، ولكن وضعه أيضا حرية شخصية، وللمرأة كامل الحرية في الاختيار.

غالبية من تحمسوا للدفاع عن "خيار" بتول باتباع المذهب السني وارتداء زي إسلامي، سيكون موقفهم مختلفا تماما لو أن العكس هو ما حصل.

ومن غضب وثار بسبب "خيار" بتول ارتداء الزي الإسلامي، سيكون موقفه مختلفا تماما لو أن العكس هو ما حصل (وأضع كلمة "خيار" بين قوسين لأنني لا أريد حسم أي أمر هنا).

قلة قليلة جدا تؤمن حقا بالمساواة وبحق المرأة في الاختيار. كثرٌ يمارسون الوصاية على المرأة، أيا يكن عمرها، وكأنهم يعرفون مصلحتها أكثر منها. كلٌّ يريد للمرأة، كي تكون حرة، أن تكون نسخة عن معاييره هو في الحرية.

يبدو أن معركة التحرر والحرية ما زالت طويلة أمام النساء، وأصعب ما فيها ليس أن المحافظين والإسلاميين يقفون ضدها أو يرفضونها، واضعين شروطا تحدد مساحة الحرية المسموحة للمرأة، بل لأن كثيرا من مدّعي حقوق المرأة والمساواة يساهمون في مصادرة حرية المرأة التي لا تشبه النموذج الذي قرروا رسمه لها.

يقول الكاتب والمفكر علي شريعتي: "حرية المرأة لا تعني أبدا تحررها من الملابس والزينة التقليدية، إن حرية المرأة تعني حرية الاختيار وحرية التفكير وحرية الحياة". وبعد نحو نصف قرن على رحيله، كم نحن أبعد اليوم عن إعطاء المرأة حرية التفكير والاختيار والحياة. إنها معركة طويلة وشاقة، لم أظن يوما أنني سأخوضها أو أكتب عنها، لأن في حياتي رجالا لم يروا حريتي منّة منهم أو هبة.

font change