موائد بكين ومصائر إيران

صحيح أن النظام لم يسقط في إيران، لكن مع البقاء المستمد وجوده من وعود آخر الزمان، سقط المجتمع في أتون الصراعات والخوف من الواقع المرير

موائد بكين ومصائر إيران

استمع إلى المقال دقيقة

لم يحدث ما يتمناه قادة إيران في لقاء قطبي العالم؛ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ. فلا الصين أرادت الضغط أكثر، لصالح حليفتها إيران، ولا ترمب كان مستعدا لمنح بكين مفاتيح هرمز، مقابل وليمة قوامها الرئيس البط الصيني أو ما سمي "المندرين" أو "البط اليوسفي". وولائم البط واليمام شهيرة في أعقد المفاوضات، فيذكر أن الوجبة الأخيرة التي تناولها الوفد الفلسطيني مع الإسرائيليين في أوسلو في أغسطس/آب 1993 كان قوامها ثنايا صدر اليمام مع الأرز الأسود وكانت النتائج كارثية على الفلسطينيين.

فجدول القمة لم يكن به أي اختراق يخص تجميد الحرب أو إنهاءها، وجدول الزيارة أهم ما حقق فيه ترمب هو صفقات تجارية في مجال الطيران. إذن، فلا رابح في الوضع الراهن الإيراني الذي كان ينتظر حسمه، غير أن الشعب، تزداد آماله للخلاص من نظام مستبد، وتزداد فيه مقاصل الشهداء على أيدي صنّاع القمع الإيراني. ولعل هذا ما دفع بترمب بعد الزيارة بأن يدون على منصته أن الحرب لم تنته بعد.

تعكس راهنية الأزمة الإيرانية واقعا معقدا في الداخل أكثر منه في الخارج، يزداد الغضب الشعبي وتتصارع وتتصادم أجنحة النظام فيما بينها حول الحرب ومصائرها، وخيارات الخروج من أزمة بلد وليس أزمة نظام فحسب. وفي الصحافة الإيرانية تتصاعد الاتهامات حول المسؤوليات وتكاليف الحرب وضرورة تقديم المعلومات الحقيقية عن الواقع حتي لا يقع المجتمع في اليأس، الذي يصر الجناح المتشدد على أنه أمر بعيد، وفي الصحافة أسئلة عن واقع حرج ومصائر مقلقة، إذ برز في صحيفة "آرمان ملی" يوم الأحد 17 مايو/أيار تصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حملت عنوان "دعونا لا نجعل الوضع يبدو طبيعيا باستخدام إحصائيات غير واقعية". أكد فيه الرئيس ضرورة الحصول على معلومات صادقة حول الأوضاع الاقتصادية والحرب المشتركة ضد البلاد، قائلا: "إن تقديم إحصاءات غير واقعية أو تطبيع الوضع يؤدي إلى اليأس في المجتمع، كما أن إثارة الفتنة وإلقاء اللوم يتماشى أيضا مع أهداف العدو".

وعكست صحيفة "جوان" المقربة من "الحرس الثوري" دفاعها عن المتشددين. سواء في مقاربتها للعلاقة مع الصين، أو في حديثها عن أن الأوروبيين "بلا تأثير حقيقي" في الأزمة الإيرانية. وتظهر هذه اللغة وجود توجه داخل النظام يرفض تقديم أي مرونة سياسية، ويعتبر أن التراجع في الملفات الإقليمية أو النووية قد يُفهم بوصفه ضعفا يهدد تماسك السلطة.

القيود على إيران من قبل أميركا، انعكست على المجتمع، وعلى قنوات الاتصال والإنترنت الذي لا حل له عند المتشددين وحراس بقاء الولي الفقيه إلا قطعه عن الناس. وتلك مواجهة المفلسين والخائفين من حركة الشعوب وغضبها

في المقابل، وبخصوص الصين حذر أستاذ العلوم السياسية كيومرث أشتريان في زاويته "سر مقاله" من أنّ الخلط بين مفهومَيْ "الحليف" و"الوسيط" شكّل أحد أبرز الإشكالات في فهم طبيعة العلاقة الإيرانية–الصينية، حيث لا تعامل بكين طهران بوصفها حليفا استراتيجيا كاملا، بل كوسيط يوازن بين مصالحه المتعدّدة. وحذر أشتريان من أن "الوسيط الاستراتيجي" قد يتحوّل أحيانا إلى عنصر ضغط أو تقييد، لا سيما في قضايا مثل مضيق هرمز، حيث قد تتقاطع مصالح الصين مع الولايات المتحدة لمنع أي تصعيد يهدّد التجارة والطاقة العالميّتَيْن.
كما تناولت الصحافة الإيرانية الجوانب الاقتصادية مثل صحيفة "جهان صنعت" وصحيفة "دنياي اقتصاد" حيث أبرزت ارتباط التوترات العالمية بين مضيق تايوان ومضيق هرمز، وقدمت صورا قاتمة للوضع الداخلي محذرة من استمرار الفوضى في السوق مع تراجع حاد في قيمة العملة وتحديات في الاستيراد والتصدير.
إن ما عكسَته الصحافة الإيرانية مؤخرا يبين بجلاء الانقسام الكبير والاضطراب الداخلي الذي لم ينتج عن الحرب الأخيرة وحسب. بل هو نتيجة لمصائر طويلة ومؤجلة الانفجار، وهي مرشحة للتقدم نحو الأسوأ، والأسوأ في إيران هو ما صنعه نظام يعيش خارج إيقاع الزمن، وبعيدا عن حسابات البقاء الواجب وحماية المنجزات الوطنية، ذلك لأنها دولة رهنت شعبها بيد معاقل التشدد والاضطراب في الوعي والعقل. فكانت النتيجة الفوات التاريخي الكبير الذي حصل عليه الإيرانيون مقابل جعل الدولة رصيدا قابلا للنهب من قبل الملالي، وأما "الحرس الثوري" فأضحى مقاتلوه بنادق مؤجرة للقتل في ساحات خارج الدولة مرة عن بشار الأسد ومرة عند "حزب الله" وثالثة في العراق.
القيود على إيران من قبل أميركا، انعكست على المجتمع، وعلى قنوات الاتصال والإنترنت الذي لا حل له عند المتشددين وحراس بقاء الولي الفقيه إلا قطعه عن الناس. وتلك مواجهة المفلسين والخائفين من حركة الشعوب وغضبها، وبسالة الأحرار من الشباب الإيراني الراغب بمستقبل أفضل.
ختاما، لم تفلح إيران بإقناع بكين بالضغط على ترمب، فالأخيرة أغدقت من الهدايا ومراسم الاستقبال والاحتفاء، ما جعل إيران متأخرة في جدول المباحثات الذي مسها بالقليل، وبحسب المصالح عند الشريك الصيني بالنسبة لأميركا وليس لإيران، التي تزداد أزمتها حرجا بفعل التعنت المتشدد والغارق بأوهام النصر الكاذب. 
صحيح أن النظام لم يسقط في إيران، لكن مع البقاء المستمد وجوده من وعود آخر الزمان، سقط المجتمع في أتون الصراعات والخوف من الواقع المرير، والتعقب لكل من يُعلي صوته ضد الحرب وخساراتها الفادحة، التي كبدت الإيرانيين جهدا وإنجازات، أنفقوا عليها جُلَّ خيرات البلاد ومواردها؛ في سبيل المواجهة مع "الشيطان الأكبر" الذي قتل معظم القادة ودمر الكثير من المقدرات.

font change