لو أن آينشتاين أطاعهم

لو أن آينشتاين أطاعهم

استمع إلى المقال دقيقة

من أكثر الأفكار الفلسفية تأثيرا في القرن العشرين تلك التي أطلقها لودفيغ فيتغنشتاين حين قال: "حدود لغتي هي حدود عالمي"، في إعلان فلسفي يهدف إلى وضع حد نهائي للميتافيزيقا، وإخضاع الفكر الإنساني لرقابة اللغة. فالفلسفة، بحسب هذا التصور، لا ينبغي أن تتحدث إلا عما يمكن التعبير عنه بوضوح، أما ما يتجاوز اللغة الدقيقة القابلة للتحقق، فيجب السكوت عنه. ولهذا قال عبارته الشهيرة الأخرى: "ما لا يمكن الحديث عنه ينبغي التزام الصمت حياله".

هذه الروح الفكرية تحولت مع الوضعيين المناطقة إلى مشروع كامل هدفه تطهير الفكر من الميتافيزيقا. فالفلسفة تجاوزت مسألة البحث عن الوجود أو الحقيقة أو المعنى، إلى أن تكون محض تحليل منطقي للغة. أما القضايا الكبرى التي شغلت البشرية منذ آلاف السنين، مثل الله والروح والوجود والزمان والمعنى وغاية الوجود، فاعتبرت عندهم قضايا زائفة نشأت بسبب سوء استعمال اللغة.

وقد ذهب بعض تلامذة هذا الاتجاه إلى أن الفلسفة يجب أن تكون خادمة للعلم الطبيعي، لا شيئا مستقلا عنه. أي إن دورها يقتصر على توضيح لغة العلم وتنظيفها من الالتباسات، لا إنتاج معرفة جديدة عن العالم. وهنا ظهرت أخطر نتائج هذا الاتجاه: تحويل العقل إلى شرطي لغوي يراقب الكلمات بدل أن يغامر في اكتشاف المجهول.

فيتغنشتاين فيلسوف له جمهور عريض، لكنه لم يكن عالما بالمعنى التجريبي. لم يشتغل بالفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا بوصفه باحثا علميا ينتج تجارب ونظريات علمية، إنما كان يشتغل على اللغة والمنطق ومعنى القضايا وحدود ما يمكن قوله. ولو كان عالما لما قال ما قال. وحين نقارن هذه الروح المغلقة بما فعله ألبرت آينشتاين، يظهر التناقض الهائل بين الفكر الخلاق والفكر الذي يخاف تجاوز حدوده.

فآينشتاين كان يمتلك خيالا ميتافيزيقياً هائلا، يفكر في طبيعة الزمان والمكان والكون والسببية بطريقة تتجاوز بكثير ما تسمح به الوضعية المنطقية. بل إن كثيرا من أفكاره الكبرى بدأت كتأملات ذهنية تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الميتافيزيقا منها إلى الفيزياء التجريبية.

المفارقة أن الفلسفات الوضعية التي أرادت القضاء على الميتافيزيقا انتهت غالبا إلى خنق الخيال الفكري نفسه

النسبية الخاصة ولدت إذن من سؤال تخييلي أكثر منها من تجربة مخبرية مباشرة: ماذا سأرى لو ركضت إلى جانب شعاع ضوء بالسرعة نفسها؟ أما النسبية العامة، فاحتاجت إلى إعادة تصور الجاذبية والزمان والمكان بصورة لم يكن الحس المباشر يسمح بها إطلاقا.

لقد كان آينشتاين يتجاوز "حدود عالمه" باستمرار، لا يكتفي بما تسمح به اللغة العلمية السائدة، إنما يخلق لغة جديدة للعالم. ولو أن آينشتاين خضع للروح الوضعية التي أرادت حبس الفكر داخل ما هو قابل للتحقق المباشر، لما خرجت النسبية إلى الوجود.

إن أعظم الثورات العلمية في التاريخ بدأت غالبا من أسئلة كانت تبدو ميتافيزيقية أو خيالية أو غير قابلة للتحقق الفوري. بل إن العلم نفسه لا يستطيع العيش من دون افتراضات ميتافيزيقية كبرى. ففكرة أن الكون عقلاني ويمكن فهمه، وأن الطبيعة تخضع لقوانين رياضية، وأن هناك انسجاما خفيا وراء الظواهر، كلها ليست نتائج تجريبية ولا مختبرية، بل افتراضات سابقة على التجربة نفسها. آينشتاين كان عالما يمتلك حسا فلسفيا وتأمليا عميقا.

المفارقة أن الفلسفات الوضعية التي أرادت القضاء على الميتافيزيقا انتهت غالبا إلى خنق الخيال الفكري نفسه. فحين يتحول العقل إلى مجرد موظف لغوي، يفقد قدرته على القفز خارج المألوف. بينما الاكتشافات الكبرى لا تولد من الطاعة الكاملة للغة القائمة، بل من اختراقها. لقد كان فيتغنشتاين يخشى أن تتحول الفلسفة إلى كلام فارغ، وهذا خوف مقدر ومفهوم. لكن الخطر الأكبر ربما يكون في الاتجاه المعاكس: أن يتحول الفكر إلى سجين لما يمكن قوله الآن، أي أن نحبسه في معارفنا الحالية، فيفقد القدرة على استباق العالم واكتشاف ما لم يظهر بعد. ولهذا يبدو آينشتاين، من هذه الزاوية، انتصارا للخيال الفلسفي على الرقابة اللغوية. فالعالم لا يتقدم عبر الملاحظة، قدر ما يتقدم عبر الجرأة على التفكير فيما لم يصبح قابلا للملاحظة بعد.

هذا فضلا عن أن دفاع آينشتاين عن الخيال لم يكن دفاعا عن الفوضى أو الهذيان، بل عن تلك القدرة النادرة التي تجعل العقل يرى ما لم يصبح مرئيا بعد. فكل نظرية عظيمة تبدأ عادة بوصفها شيئا غير مقبول داخل اللغة السائدة، ثم تتحول لاحقا إلى جزء من بداهات العلم نفسه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الحضارة هو العجز عن تخيل ما يتجاوز النظام القائم للمعرفة.

التقدم الحقيقي بدأ لحظة امتلاك الجرأة على التفكير فيما بدا مستحيلا، لا لحظة التزام الصمت حياله

إن الأفكار الجديدة لا تولد كاملة داخل المختبر، بل تبدأ غالبا كقلق فكري أو حدس غامض أو سؤال يبدو غير شرعي وفق معايير العصر. فقبل أن تصبح النسبية علما كانت تبدو ضربا من الخيال، وقبل ميكانيكا الكم بدت فكرة أن المادة تتصرف بصورة احتمالية أقرب إلى العبث. وحتى فكرة دوران الأرض نفسها بدت في زمن ما خروجا جنونيا على الحس المشترك. ولو أن البشرية أطاعت دائما حراس اللغة والمعنى الجاهز، لبقي العالم ساكنا داخل تصوراته القديمة.

ولهذا فإن المشكلة في النزعة الوضعية ليست حرصها على الدقة، فالدقة ضرورة، بل في تحويل الدقة إلى سجن. إذ يوجد فرق هائل بين أن نطالب الفكر بالوضوح، وأن نمنعه من تجاوز الأفق القائم. فالعقل البشري يتقدم عبر اقتحام ما لا يعرفه بعد.

وربما لهذا السبب تحديدا ظل أعظم العلماء يحملون داخلهم شيئا من الفيلسوف أو الشاعر أو الحالم. لأن الاكتشاف العلمي، في لحظته الأولى، لا يكون حقيقة مثبتة، إنما خيانة للبداهة السائدة. والعالم الذي لا يسمح لنفسه بتجاوز لغته الحالية، لن يكتشف لغة جديدة للكون. ولو أن آينشتاين أطاعهم، لما تغير فهمنا للزمان والمكان والجاذبية، وربما لبقي العقل الحديث كله يدور داخل حدود نيوتن كأنها نهاية التاريخ. لكن التقدم الحقيقي بدأ لحظة امتلاك الجرأة على التفكير فيما بدا مستحيلا، لا لحظة التزام الصمت حياله.

font change