العرب في عيون إيرانية

العرب في عيون إيرانية

استمع إلى المقال دقيقة

قبل سنوات تعرفت إلى كتابات مؤرخ إيراني غريب الأطوار اِسمه ناصر بوربيرار. لم يكن غريبا لأنه هاجم العرب كما يفعل كثير من القوميين الإيرانيين، بل لأنه فعل العكس تماما. فقد أمضى سنوات طويلة في مهاجمة السردية القومية الإيرانية نفسها، وشكك في كثير من المسلّمات التي تقوم عليها صورة إيران القديمة في الوعي الحديث. وكان أشهر أعماله كتابه "اثنا عشر قرنا من الصمت" الذي يقرر أن مصير العرب والإيرانيين مشترك، رغم أنه باحث علماني لا إسلامي.

لم يكن بوربيرار مجرد مؤرخ يختلف مع مؤرخين آخرين حول تفسير بعض الوقائع أو تقييم بعض الشخصيات التاريخية، بل كان مشروعه بأكمله يقوم على هدم الأساس الذي استندت إليه القومية الإيرانية الحديثة في قراءتها للماضي. ففي الوقت الذي اعتادت فيه أجيال من الإيرانيين على تمجيد الإمبراطوريات القديمة، والنظر إلى الفتح الإسلامي بوصفه لحظة سقوط وانكسار، ظهر بوربيرار ليقول إن المشكلة لا تكمن في الفتح الإسلامي، بل في الصورة الأسطورية التي رسمها الإيرانيون لأنفسهم عن تاريخهم السابق عليه.

وكان يرى أن الإيرانيين المعاصرين يعيشون تحت تأثير رواية تاريخية صنعتها النزعات القومية الحديثة أكثر مما صنعتها الوثائق والوقائع. ولهذا أخذ يهاجم ما اعتبره مبالغات هائلة في تصوير أمجاد إيران القديمة، ويشكك في كثير من المسلمات التي تحولت مع الزمن إلى حقائق لا يجوز الاقتراب منها. وقد أدى ذلك إلى أن يصبح واحدا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الحياة الفكرية الإيرانية.

ففي الوقت الذي كان كثير من المثقفين الإيرانيين ينظرون إلى العرب بوصفهم المسؤولين عن ضياع مجد فارس القديم، كان بوربيرار ينظر إلى القضية من زاوية مختلفة تماما. لقد رأى أن العرب كانوا جزءا من تطور وتحول حضاري كبير أعاد تشكيل المنطقة بأكملها، وأن الفرس لم يكونوا ضحايا هذا التحول، بل كانوا من أكبر المستفيدين منه.

ومن هنا جاء عنوان كتابه "اثنا عشر قرنا من الصمت". فالعنوان نفسه كان صدمة لكثير من الإيرانيين. فبدلا من الحديث عن العصر الذهبي السابق للإسلام، كان الرجل يوحي بأن ما يسمى المجد الإيراني القديم قد جرى تضخيمه على نحو كبير، وأن الحضور الإيراني الحقيقي في التاريخ العالمي لم يبدأ إلا بعد اندماج الإيرانيين في الحضارة الإسلامية.

 الحضور الإيراني الحقيقي في التاريخ العالمي لم يبدأ إلا بعد اندماج الإيرانيين في الحضارة الإسلامية

كان يقول إن الإيرانيين الذين يفاخرون اليوم بعلمائهم وفلاسفتهم وأدبائهم إنما يتحدثون في الغالب عن شخصيات ازدهرت داخل الحضارة العربية الإسلامية لا خارجها. فالفارابي وابن سينا والبيروني والغزالي والرازي وغيرهم من الأسماء الكبرى هم أبناء الحضارة الإسلامية التي جمعت شعوبا متعددة تحت مظلة حضارية واحدة وليسوا أبناء الإمبراطوريات الفارسية القديمة. ولذلك كان يرى أن محاولة فصل الإنجاز الإيراني عن السياق الإسلامي الذي نشأ فيه هي نوع من إعادة كتابة التاريخ لخدمة أهداف قومية حديثة.

ولم يتوقف عند هذا الحد، إنما دعا إلى إعادة النظر في العلاقة الإيرانية باللغة العربية. ففي رأيه أن العربية هي لغة الدين والتراث والعلوم التي تشكلت في إطارها قرون طويلة من الحياة الفكرية الإيرانية. وكان يرى أن القطيعة مع العربية لا تعني القطيعة مع العرب فحسب، إنما تعني أيضا القطيعة مع جزء كبير من التراث الذي أسهم الإيرانيون أنفسهم في إنتاجه.

ولهذا دعا إلى تعليم العربية على نطاق أوسع، وعدها مفتاحا ضروريا لفهم التاريخ الثقافي الإيراني. وكان يعتقد أن أجيالا من الإيرانيين جرى حرمانها من الوصول المباشر إلى مصادرها الفكرية والدينية بسبب تنامي الحساسية القومية تجاه اللغة العربية. ومن هنا كان ينظر إلى العربية بوصفها جزءا من المجال الحضاري الذي أسهم الإيرانيون في بنائه.

وكان يؤكد باستمرار أن الفرس لم يختفوا داخل الحضارة الإسلامية، ولم يفقدوا هويتهم كما يدعي بعض القوميين. فقد استطاعوا أن يتحولوا إلى واحد من أكثر الشعوب تأثيرا في تاريخ الإسلام. فلم يكونوا مجرد متلقين للحضارة الجديدة، بل كانوا من أبرز صناعها. وفي ميادين الفقه والكلام والفلسفة والطب والرياضيات والأدب والإدارة السياسية، ترك الإيرانيون بصمات لا يمكن إنكارها.

ولهذا كان يرفض الرواية التي تصور العلاقة بين العرب والفرس بوصفها علاقة غالب ومغلوب استمرت أربعة عشر قرنا. فهذا- في نظره- ليس وصفا دقيقا للواقع التاريخي. فالتاريخ الإسلامي، في نظره، كان تاريخا مشتركا شاركت في صنعه شعوب كثيرة، وكان الفرس من أبرز تلك الشعوب.

لهذا كله تعرض بوربيرار لهجوم عنيف داخل إيران. فالرجل لم يمس بعض التفاصيل التاريخية، بقدر ما مس الأساس النفسي الذي قامت عليه قطاعات واسعة من القومية الإيرانية الحديثة. لقد تحدى الفكرة القائلة بأن العرب هم سبب كل ما أصاب إيران من تراجع.

وسواء اتفق المرء مع ناصر بوربيرار في جميع تفاصيل قراءته للتاريخ أم اختلف معه، فإن القيمة الحقيقية لمشروعه تكمن في شجاعته الفكرية النادرة. فقد اختار أن يواجه أكثر المسلّمات رسوخا في بيئته الثقافية، وأن يعيد فتح ملفات اعتبرها كثيرون مغلقة منذ زمن. ولم يكن هدفه تمجيد العرب على حساب الفرس، ولا تمجيد الإسلام كدين على حساب إيران كوطن، إنما كان يسعى إلى تحرير الوعي الإيراني من صورة الصراع الأبدي بين الطرفين.

العرب والفرس لم يكونا خصمين في التاريخ بقدر ما كانا شركاء في صنع واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها العالم

لقد أراد أن يذكّر أبناء بلده بأن الفرس لم يبلغوا ذروة حضورهم الحضاري في عزلة عن محيطهم، بل حين شاركوا في بناء الحضارة الإسلامية الكبرى، وأسهموا في علومها وآدابها وفلسفتها. ومن هذه الزاوية فإن العرب والفرس لم يكونا خصمين في التاريخ بقدر ما كانا شركاء في صنع واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها العالم. ولهذا سيبقى ناصر بوربيرار شخصية استثنائية في الفكر الإيراني المعاصر، لأنه امتلك الجرأة على قول ما لم يجرؤ كثيرون على قوله، ولأنه حاول أن يبني جسرا فوق هوة صنعتها قرون من السرديات القومية المتصارعة. وربما كانت هذه الرسالة، رسالة البحث عن المشترك الحضاري بدل استدعاء الخصومات القديمة، هي أكثر ما تحتاج إليه منطقتنا اليوم.

font change