رحلة "الأغاني" إلى بلاط الأندلس

رحلة "الأغاني" إلى بلاط الأندلس

استمع إلى المقال دقيقة

ماذا لو قيل لك إن فهرس إحدى المكتبات قبل أكثر من ألف سنة كان يقع في أربعة وأربعين مجلدا؟ نحن لا نتحدث عن كتب المكتبة، بل عن قائمة محتوياتها فقط. أربعة وأربعون مجلدا تضم آلاف الصفحات المخصصة لتسجيل أسماء المخطوطات والكتب والمؤلفين. عندها يمكن أن نتخيل حجم الثروة المعرفية التي احتوتها تلك الخزائن، في زمن كان إنتاج الكتاب الواحد يحتاج إلى جهد كبير، وشهور من النسخ والمراجعة والتجليد. والمدهش حقا أن هذه المكتبة لم تكن في روما ولا باريس، ولا في خزائن أكسفورد أو بولونيا، بل في قرطبة الأموية، حيث بلغت تلك المدينة الأندلسية ذروة ازدهارها العلمي. هناك كانت المكتبة الأموية مركزا من أهم مراكز العلم والثقافة في أوروبا، وقرطبة واحدة من أعظم مدن المعرفة في العالم.

كثيرا ما يشار إلى أثر الأندلس في النهضة الأوروبية، وإلى الدور الذي أدته الحضارة الإسلامية في نقل العلوم والفلسفة والطب والرياضيات إلى الغرب اللاتيني. غير أن ثمة حلقة أساسية في هذه القصة لا تحظى عادة بما تستحقه من الاهتمام، وهي المؤسسة المعرفية التي وقفت خلف هذا الإشعاع العلمي كله: المكتبة الأموية في قرطبة. فقد اعتاد المؤرخون أن يتحدثوا عن العلماء والمترجمين والكتب التي عبرت إلى أوروبا، لكنهم أقل حديثا عن الخزانة الكبرى التي جمعت هذه الثروة العلمية وحفظتها ووفرت البيئة التي سمحت لها بالانتشار والتأثير. وإذا كان بيت الحكمة في بغداد يمثل الرمز الأبرز للحركة العلمية في المشرق العباسي، فإن مكتبة قرطبة الأموية تمثل نظيره في الغرب الإسلامي، بل كانت في القرن الرابع الهجري واحدة من أعظم خزائن المعرفة في العالم.

ولعل من أسباب غيابها عن الذاكرة التاريخية أن هذه المكتبة لم تكتب لها النجاة. فقد تعرضت خزائنها للتلف والإهمال مع اضطراب الأوضاع السياسية أواخر الدولة الأموية، ثم فقدت أجزاء كبيرة منها في الفتن التي عصفت بالأندلس، وتوالت عليها عوامل الضياع خلال القرون اللاحقة. كما أن التاريخ نفسه لم يكن منصفا للأمويين دائما، سواء في المشرق أو في المغرب، فغابت كثير من منجزاتهم خلف الصراعات السياسية.

حين نتأمل أخبار قرطبة في القرن الرابع الهجري، لا تبدو أمامنا مجرد عاصمة مزدهرة من عواصم الإسلام، بل مدينة جعلت من المعرفة مشروعا للدولة، خاصة فترة الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله (ت 366هـ)، أحد أكثر حكام الإسلام شغفا بالكتب واقتناء لها، حتى غدت سيرته مقترنة بالمكتبات والخزائن العلمية كما تقترن سيرة غيره بالفتوح والحروب.

لم يكن التاريخ منصفا للأمويين دائما، سواء في المشرق أو في المغرب، فغابت كثير من منجزاتهم خلف الصراعات السياسية

ورث المستنصر دولة قوية الأركان عن أبيه عبد الرحمن الناصر، لكنه اختار أن يضيف إلى مجدها السياسي مجدا آخر، فصرف جانبا كبيرا من اهتمامه إلى العلم والتعليم وجمع الكتب. أنشأ المدارس، ورتب المعلمين لأبناء الفقراء، وأنفق على رواتبهم من بيت المال، حتى بلغ عدد دور التعليم في قرطبة وضواحيها سبعا وعشرين مدرسة.

غير أن أعظم ما ارتبط باسم الحكم المستنصر كان مكتبته الشهيرة. فقد تحولت قرطبة في عهده إلى قبلة للكتب والمخطوطات، وأصبحت المكتبة الأموية أكبر مركز ثقافي في أوروبا آنذاك.

ولم يكن الحكم ينتظر وصول الكتب إليه، بل كان يرسل الوكلاء والوراقين إلى أقطار العالم الإسلامي بحثا عن الجديد والنادر منها. وكان يشتري الكتب مهما ارتفعت أثمانها، ويحرص على اقتناء النسخ الأولى من المؤلفات قبل انتشارها.

وقد وصف ابن خلدون هذه العناية وصفا بليغا فقال: "وجمع بداره الحذاق في صناعة النسخ، والمهرة في الضبط، والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده".

ومن بين القصص التي تجسد هذا الشغف المعرفي قصته مع كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني. فهذا الكتاب الذي أصبح لاحقا أحد أعظم كتب الأدب العربي وأوسعها مادة وتأثيرا، لم ينتظر الحكم المستنصر حتى يشيع خبره في بغداد أو ينتشر بين الناس، بل سعى إليه وهو ما يزال في طور التأليف.

تذكر المصادر أن الحكم بلغه خبر الكتاب وصاحبه قبل أن يفرغ أبو الفرج من تصنيفه، فبعث إليه بألف دينار من الذهب، طالبا نسخة خاصة من الكتاب فور اكتماله. فكانت قرطبة من أوائل المدن التي وصل إليها "الأغاني"، بل يقال إنها حصلت على نسخة منه قبل أن يذيع انتشاره في كثير من حواضر المشرق.

وتزداد هذه الحكاية إثارة حين نعرف التركيبة المعقدة لشخصية أبي الفرج الأصفهاني فرغم أنه مرواني أموي في أصله ونسبه، إلا أنه كان من أكثر المؤلفين مناوأة للتيار الأموي، فهو يميل بشدة للمذهب الشيعي، واشتهر بدفاعه السياسي عن العلويين من آل البيت، وله موسوعة شهيرة بعنوان "مقاتل الطالبيين"، ومع ذلك لم يمنع هذا الخليفة الأموي في أقصى الغرب الإسلامي من السعي إلى اقتناء كتابه والاحتفاء به.

قصة رحلة "الأغاني" هي مرآة لحضارة بلغت من الثقة بنفسها حدا جعلها تنفتح على المعرفة من كل مصدر وتستوعبها وتعيد إنتاجها

تكشف هذه الواقعة جانبا مهماً من طبيعة الحياة العلمية عند العرب الأوائل. فقد كانت الكتب تنتقل بين بغداد ودمشق والقاهرة والري وأصفهان وقرطبة كما تنتقل البضائع والقوافل، وكانت قيمة المعرفة تتقدم على اعتبارات السياسة والانتماء.

إن قصة رحلة كتاب "الأغاني" هي مرآة لحضارة بلغت من الثقة بنفسها حدا جعلها تنفتح على المعرفة من كل مصدر وتستوعبها وتعيد إنتاجها، حضارة لم تر في الاختلاف تهديدا، بل فرصة للبناء، فهي تؤمن أن المعرفة، مهما كان مصدرها، أساس القوة والنفوذ والتقدم.

font change