في كتابه الشهير "لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟" (1991)، قدم الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو قائمة بالكتب الكلاسيكية التي ينصح بقراءتها والعودة إليها، ليطرح سؤالا أعمق، وهو: لماذا تبقى بعض الكتب حية بعد مئات السنين، بينما تموت آلاف الكتب الأخرى بعد سنوات قليلة من صدورها؟
وعلى الرغم من أن السؤال بات بعيدا عن زمننا، لكنه ما زال وجيها. ويجيب كالفينو عنه، وهو الذي بث أفكاره من خلال رواياته، وخاض في مواضيع تعنى بالحداثة وما بعدها، بطريقة غير مباشرة، في كتابه هذا، معتبرا أن الكتاب الكلاسيكي ليس مجرد كتاب قديم، بل إنه يواصل الحديث إلينا على مر الأزمنة. إنه كتاب لا يستنفد معناه في قراءة واحدة، ولا يتوقف عن إنتاج الأسئلة، وبالتالي يؤكد كالفينو أن الكتاب الكلاسيكي هو ذلك الذي لا ينتهي أبدا مما يريد قوله.
ربما لهذا السبب لا يقرأ أغلب الشباب الكلاسيكيات، كي لا يعودوا إلى الماضي، علما أن هذه الأعمال تجعله يفهم الحاضر بصورة أفضل. فكل جيل يعيد اكتشاف هذه الكتب من زاويته الخاصة، ويعثر فيها على معان جديدة لم تكن ظاهرة من قبل. أما النص فيبقى كما هو، بينما يتغير القارئ بتغير العالم من حوله.
ومن أجمل أفكار كالفينو في هذا الكتاب أن القراءة الحقيقية للكلاسيكيات ليست القراءة الأولى، بل هي إعادة القراءة. فكثير من الكتب تمر بنا في الشباب مرورا عابرا، ثم نعود إليها بعد سنوات لنكتشف أننا أمام كتاب آخر تماما. لم يتغير الكتاب، وإنما تغيرت خبراتنا، وأعمارنا، وتراكمت في داخلنا الأسئلة والتجارب.
ويلفت كالفينو إلى أن القارئ لا يقرأ النص وحده، بل يقرأ أيضا تاريخا طويلا من القراءات السابقة، فحين نقرأ عملا كلاسيكيا، نواجه نصا حملته قرون من التأويلات والشروح والانطباعات. هنا يصبح الكتاب أشبه بمدينة تاريخية تتجاور فيها طبقات متعددة من الزمن، وكل قارئ يضيف إليها طبقة جديدة. ولعل الفكرة الأهم في الكتاب تتجاوز الأدب نفسه، فقد كتب كالفينو هذه التأملات في زمن بدأت فيه الثقافة تتجه نحو السرعة والاستهلاك والنسيان، وكان يدرك أن الإنسان المعاصر مهدد بفقدان علاقته بالزمن الماضي، لذلك تبدو دعوته إلى قراءة الكلاسيكيات دفاعا عن الذاكرة أكثر من كونها دفاعا عن الماضي، ودفاعا عن العمق أكثر من كونها دفاعا عن الكتب القديمة.
الإنسان الذي يعيش يومه فقط، يصبح أسير اللحظة الراهنة، بينما تمنحه الكلاسيكيات منظورا أوسع
فالإنسان الذي يعيش يومه فقط، يصبح أسير اللحظة الراهنة، بينما تمنحه الكلاسيكيات منظورا أوسع، إنها تذكره بأن البشر قبل مئات السنين أحبوا وخافوا وحلموا وقلقوا بالطريقة نفسها تقريبا، وأن ما نعيشه اليوم ليس بداية التاريخ ولا نهايته. لهذا لا تبدو قراءة الجاحظ والمعري أو المعلقات أو ألف ليلة وليلة أو الروايات الكبرى في القرن التاسع عشر حنينا إلى زمن مضى، إنما محاولة لتوسيع حدود العمر الإنساني الذي نحمله في داخلنا، فبعض الكتب لا تضيف إلى معلوماتنا فحسب، بل تضيف إلى أعمارنا أيضا.
كما أن السر في كتابات أولئك الباحثين والمتخيلين الأوائل من شعراء وقصاصين وروائيين، هو الأسئلة التي طرحوها أيضا، كل على طريقته وفي إطار موهبته الفريدة، فالعيش على حافة الأسئلة الكبرى كان جزءا من الحياة اليومية للمثقفين غربا وشرقا، عربا وعجما.
ولعل هذا هو الدرس الأجمل الذي يمكن استخلاصه من كتاب كالفينو: اقرأ ما يحررك من سجن اللحظة، وما يربطك بالإنسان عبر العصور.