نقرأ الكثير من الروايات العربية الحديثة، ونتابع الحوارات الثقافية الدائرة حول الأدب والفلسفة، فيخيل لنا أن أسئلة العبث والعدمية واللاجدوى جزء أصيل من تراثنا الفكري، وأن الإنسان في كل زمان ومكان كان يطرح الأسئلة ذاتها، وأولها: هل للحياة معنى؟ أو هل لوجودنا معنى؟
غير أن العودة إلى التراث العربي والإسلامي، أو إلى تراث الهند والصين وعامة الشرق، تكشف لنا صورة أكثر تعقيدا. فالحضارات لا تنتج الأجوبة نفسها، لأنها لا تبدأ من الأسئلة نفسها أصلا، فحين أعلن نيتشه "موت الإله"، كان يعبر عن لحظة تاريخية أوروبية خاصة، جاءت بعد قرون من الصراع بين العقل والكنيسة، وبين العلم واليقين الديني التقليدي. وحين كتب ألبير كامو عن عبث العالم، كان يكتب من قلب قارة خرجت مثخنة بجراح الحروب الكبرى، وشهدت انهيارات كثيرة من المسلمات التي بنت عليها وجودها الحديث، فكانت تلك الأسئلة تخص أوروبا وهي تواجه أزمتها الخاصة.
أما في التراث العربي والإسلامي، فإن صورة الإنسان تبدو مختلفة إلى حد بعيد، فقد عرفنا الحروب والانقسامات وسقوط الدول والكوارث والمجاعات، وعرفنا الشك والتشاؤم والأسى، لكننا لم نعرف ذلك الشعور الأوروبي الحديث القائم على تصور كون صامت وخال من المعنى.
فلم يكن الجاحظ - مثلا- منشغلا بالسؤال عما إذا كانت الحياة تستحق أن تعاش، وهو أديب عربي من القرن التاسع الميلادي، بقدر ما اهتم بعلل الأشخاص واختلاف الأخلاق والطبائع. ولم يكن ابن حزم الأندلسي يبحث عن جدوى الوجود، بل عن إعمال العقل، في حدود تقديس الأخلاق بهدف السمو بالنفس البشرية، من خلال الدفاع عن جوهر الحب الإنساني. ولم يكن الغزالي أو ابن عربي يسألان إن كان الكون عبثا. كانت أسئلتهما تدور حول المعرفة والحقيقة والأخلاق والنفس واليقين والعدل والمصير الإنساني. وحتى الشاعر أبو العلاء المعري، وهو من أكثر شخصيات التراث العربي تشاؤما، ظل يتحرك داخل أفق أخلاقي وروحي، ولا ننكر أنه انشغل بالوجود، من خلال شعره ونثره، ونقد الكثير من الأوضاع حوله، متجها إلى الزهد الصارم، والعزلة، ولكن دون أن يخوض في ذلك الفراغ الكوني المطلق. ومن هنا تبدو المفارقة جديرة بالتأمل بين الغرب والشرق في القلق الوجودي.
ففي الوقت الذي امتلكت فيه حضارات الشرق تقاليد فلسفية وروحية عريقة، من الغزالي وابن عربي والرومي، إلى حكماء الهند والبوذية وكونفوشيوس ولاوتسي في الصين، اتجه المثقف الشرقي الحديث إلى نيتشه وسارتر وكامو أكثر مما اتجه إلى أولئك الحكماء، ولعل السبب لا يعود إلى تفوق فلسفي مطلق لهذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يعود إلى تحولات التاريخ نفسه... فمنذ القرن التاسع عشر أصبحت أوروبا المستعمرة مركز القوة العلمية والعسكرية والجامعية في العالم، وتحولت أفكارها إلى لغة العصر الحديثة، وهكذا انتقلت فلسفاتها إلى بقية الثقافات، حاملة معها أسئلتها وقلقها ومخاوفها الخاصة.
الحضارات لا تتجدد حين تستورد الأجوبة الجاهزة، وإنما حين تعيد اكتشاف الأسئلة التي خرجت من تجربتها
لكن الأفكار، مثل النباتات، لا تنمو بالطريقة نفسها في كل تربة، فحين وصلت أسئلة العبث والعدم إلى الأدب العربي، لم تصل دائما مع ظروفها التاريخية التي أنجبتها. ولذلك بدا أن بعض الإنتاج الأدبي يتبنى أجوبة صيغت لمعالجة أزمة روحية أوروبية، بينما يعيش داخل بيئة ثقافية ما زالت تؤمن بالمعنى والغيب والغاية، والتقاليد، والامتداد الأخلاقي للحياة.
ولا يعني ذلك رفض الفكر الغربي أو التقليل من قيمته، فالفلسفة الإنسانية ملك للبشر جميعا، وما كتبه نيتشه أو كامو يظل جزءا مهماً من التراث الفكري العالمي. لكن المشكلة تبدأ حين نفترض أن أسئلة حضارة ما، هي أسئلة الإنسانية كلها، وأن طريق الخلاص الذي بحثت عنه أمة معينة يصلح بالضرورة للأمم الأخرى.
ربما لا تكمن مهمة الكاتب العربي اليوم في تكرار قلق الغرب، ولا في الانغلاق داخل الماضي، بل في استعادة حقه في طرح أسئلته الخاصة. فالحضارات لا تتجدد حين تستورد الأجوبة الجاهزة، وإنما حين تعيد اكتشاف الأسئلة التي خرجت من تجربتها التاريخية والإنسانية.
إذن، هل نقرأ نيتشه أم لا؟ وهل أسئلة نيتشه هي أسئلتنا أصلا؟
أعتقد أنه آن أوان أن نطرح أسئلتنا نحن، وسط الضجيج القادم من أسئلة الآخرين؟ ولعل الكاتب العربي بطبيعته أقرب إلى اللغة والصورة والعبارة المدهشة من انجذابه إلى البنية المنطقية المجردة مثل شوبنهاور، المعروف بسوداوية أفكاره، ليبقى نيتشه أكثر حضورا ويسهل اقتباسه، في حين يصعب اقتباس هيغل وغيره.
نحن لا نهاجم الغرب ولا نمجد التراث، بل نضع الإصبع على فكرة اختلاف الأسئلة الحضارية. وأظن أن هذه الفكرة أقرب إلى أسلوبنا الثقافي الذي يميل إلى التاريخ والمعرفة أكثر من الجدل الأيديولوجي.