منارة فرجينيا التي أضاءت المطبعة

منارة فرجينيا التي أضاءت المطبعة

استمع إلى المقال دقيقة

تعرف رواية "إلى المنارة"، العمل الأبرز للكاتبة البريطانية فرجينيا وولف، والتي طبعتها عام 1927، بتفردها الأسلوبي، إذ حولت وولف الضوء إلى لغة، والبحر إلى ذاكرة، والبيت إلى كائن حيّ يتبدل مع مرور الزمن وتسلل أشعة الصباح إلى الجدران، وكيف يهبط المساء، فتذوب الأشياء في الظلمة، ويصبح الأثاث والستائر والممرات جزءا من حركة الزمن نفسها. كأن وولف في هذه الرواية كانت تعيد ترتيب العالم. كان وصفها للطبيعة بديعا، إلى درجة أنها جعلت منه خلفية للمشهد الروائي بأكمله، لتجعل الضوء الشخصية الأكثر حضورا في الرواية.

أما الجانب الذي لا يعرفه كثر فهو كيف طبعت وولف هذه الرواية؟

في أحد أحياء لندن، وبالتحديد عام 1917، أيّ قبل أن تطبع رواية "إلى المنارة" بعشر سنوات، كانت وولف أسست مع زوجها ليونارد وولف دار نشر "هوغارث برس"، داخل منزلهما في ريتشموند. وفي تلك الغرفة الصغيرة، تقلصت المسافة بين مخطوطاتها والطباعة، فلم تعد الرواية تغادر بيتها لتبحث عن ناشر. كان الناشر يعيش معها تحت السقف نفسه. وهنا ظهرت قيمة دار "هوغارث برس" الحقيقية، إذ منحت وولف نفسها مساحة واسعة لتكتب وفق الإيقاع الذي تؤمن به، بعيدا عن استعجال السوق أو القوالب المألوفة.

بدأت الحكاية فوق طاولة الطعام، بآلة طباعة يدوية صغيرة، وحروف معدنية تصفّ صفحة بعد أخرى، وأوراق تجمع وتجلّد بجهد يكاد يشبه الحرف القديمة. كانت العملية برمتها أقرب إلى ورشة فنية منها إلى مؤسسة نشر، حتى إن بعض النسخ الأولى حملت آثار العمل اليدوي، كان الكتاب يحتفظ بملمس أصابع من صنعوه، إلى أن انتقل الزوجان بعد سنوات إلى قلب لندن في حي بلومزبري، لتصير دار النشر مؤسسة أكبر.

أضحى التجريب جزءا من الحياة اليومية، وأصبح تيار الوعي الذي كانت تطوره وولف بصبر، يجد طريقه إلى القارئ من دون أن يفقد ملامحه الأصلية. ولعل هذا ما يفسر النضج الفني في رواية "إلى المنارة"، فكم كانت حقيقية وهي تنتقد شخصية السيد رامزي، الفيلسوف والمثقف الشديد العقلانية، الذي يبحث عن تقدير الآخرين، وهي معضلة مستمرة، وعن الروابط الإنسانية من خلال زوجته، الأم وقلب البيت التي ألغت فكرها من أجله.

لم تكتف وولف بطباعة كتبها، بل ساهمت بإخراج الطبعة البريطانية الأولى لقصيدة "الأرض الخراب" للشاعر ت. إس. إليوت

رواية "إلى المنارة" تنقل القارئ من متابعة الحدث إلى مراقبة الوجود، وبطريقة لا مثيل لها، وينطبق ذلك على روايات وولف الأخرى مثل "غرفة يعقوب"، و"السيدة دالواي" و"أورلاندو"، جميعها طبعت في دارها "هوغارث برس"، أي في حدود مطبعة منزلية، لتصبح أحد أهم عناوين الحداثة الإنكليزية.

ولم تكتف وولف بطباعة كتبها، بل ساهمت بإخراج الطبعة البريطانية الأولى لقصيدة "الأرض الخراب" للشاعر ت. إس. إليوت، فأعادت رسم ملامح الشعر الإنكليزي في القرن العشرين، كما احتضنت أعمال صديقتها القاصة والشاعرة كاثرين مانسفيلد، وهي نيوزيلندية، عاشت في لندن عدة سنوات، شكلت فيها مسيرتها الأدبية ومشهدها الحداثي. ومن خلال "هوغارث" أيضا، نشرت قصتها الطويلة المعروفة بيومياتها المستقلة بها، وقصص أخرى من "المقدمة"، وكتاب مشترك بينهما، احتفاء بصداقتهما الطويلة، فطبعت وولف الكتاب بيدها.

والمثير للاهتمام أن كتابات عالم النفس سيغموند فرويد وصلت إلى القارئ الإنكليزي من خلالها، في طبعات أسهمت في انتشار التحليل النفسي داخل الثقافة البريطانية، إلى جانب كتب لعدد من مفكري وفناني "جماعة بلومزبري" الذين كانوا يعيدون تعريف العلاقة بين الأدب والفن والفلسفة، وكتب مورغان فورستر الصديق المقرب لوولف، والمعروف بانتقاده الفوارق الطبقية والعرقية، متناولا بعمق تعقيدات العلاقات الإنسانية.

ومن جماليات عمل الدار أن الكتب وحدها لم تكن تحمل روح البيت، فحتى أغلفتها كانت تحمل تلك الروح، إذ صممتها شقيقتها الفنانة فانيسا بيل، إلى جانب عدد كبير من أغلفة الدار. كانت الكتب تخرج من الدار بعد أعمال مشتركة، من زوجها وشقيقتها وأصدقائها وكل مبدع تؤمن به من الشباب، ومن يبحث عن أغلفة دار "هوغارث" في ذلك الوقت، يجدها علامة فنية يمكن تمييزها من النظرة الأولى.


تبدو "إلى المنارة" أكثر من حكاية أسرة تقضي عطلتها قرب البحر. هي رواية فرجينيا التي عرفت أن الحرية الأدبية تبدأ من الاستقلالية

ومع اتساع نشاط الدار، وتحولها من مشروع منزلي إلى مؤسسة ثقافية مؤثرة، انتقلت ملكيتها بعد الحرب العالمية الثانية إلى دور نشر أكبر، بعد شراء دار "بينغوين" الشهيرة لها، مع الاحتفاظ باسم "هوغارث" ضمن نطاقها، غير أن الإرث الحقيقي للدار لا يقاس بعدد الكتب التي أصدرتها، بقدر الفكرة التي زرعتها، بإثباتها أن الكاتب يستطيع أن يمتلك مساحة أرحب للمغامرة الفنية، وهكذا أصبحت المطبعة مع فرجينيا جزءا من عملية الإبداع نفسها، تفسح المجال للنص كي يصل إلى العالم محتفظا بصوته الأول.

واليوم تبدو "إلى المنارة" أكثر من حكاية أسرة تقضي عطلتها قرب البحر. هي رواية فرجينيا التي عرفت أن الحرية الأدبية تبدأ من الاستقلالية، ومن يقرأها يشعر بأن مطبعة "هوغارث" ترسل ضوءا آخر إلى الأدب الإنكليزي، ضوءا خرج من البيت الصغير، ومن المنارة، وما زال يصل إلى قراء العالم بعد قرن كامل.

font change