بعد أيام، في 9 سبتمبر/أيلول، تحل ذكرى الدرعية رمز الصمود الأسطوري، أمام حصار قوات إبراهيم باشا عام 1818، ولكن ليس ذكرى سقوطها كما يكتب البعض، فهي نقطة انطلاق لقصة كفاح أدت إلى ولادة حديثة وجديدة، وذكرى أيام تتجلى في الوجدان السعودي بالفخر والتضحية لبطولة الإمام عبدالله بن سعود، الذي فدى بنفسه لحماية من تبقى من أهالي الدرعية، لذا لا يحيي السعوديون ذكرى الدرعية كمناسبة حزينة، بل ينظرون إليها كفلسفة للنهوض من الرماد، والعمق التاريخي، على الرغم من حرق قصور الدرعية، وقطع نخيلها بالكامل. لكنهم بعد ست سنوات، من تاريخ الحصار نهضوا بها وأعادوا تأسيس الدولة السعودية الثانية من جديد.
الدرعية قبل قرنين، وقبل احتلالها، لم تكن مدينة تقليدية. هي العاصمة المزدهرة التي امتد نفوذها إلى معظم أنحاء الجزيرة العربية، ومركز الحكم للدولة السعودية الأولى، فكانت شريان التجارة وطرق قوافل الحج والحركة عبر الجزيرة العربية، بكثافتها السكانية العالية، ومبانيها الطينية الضخمة على الطراز النجدي، وواحتها الزراعية التي غطت ضفاف وادي حنيفة، حيث مزارع النخيل الباسقة وبساتين الفاكهة الخصبة، وحيث الازدهار الاقتصادي مع التوسع السياسي في قصور ومبان وخزائن مليئة بالموارد.
أما حي الطريف الذي رمم أخيرا، وبدقة التقنيات الجديدة، والمواد الأصلية، دون تغيير ملامحها للحفاظ على هويتها، فهو حي محصن يقع على حافة أو هضبة مرتفعة مطلة على وادي حنيفة، وكان يضم سكن الأسرة الحاكمة، وقادة الدولة. كذلك قصر سلوى، وهو تحفة معمارية كبرى من عدة طوابق أديرت منه شؤون البلاد. كما امتلأت مساجد الدرعية قبل قرنين بالعلماء وطلاب العلم... ومع حلول أبريل/نيسان عام 1818، تحولت المدينة إلى معسكر هائل صمد ببطولة، حيث أحاطت بالواحة شبكة أسوار ضخمة، وخنادق كبرى، وأبراج مراقبة، فكانت مقاومة شرسة لستة أشهر كاملة أمام قوات إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر، وكان الهجوم بطلب من السلطان العثماني محمود الثاني بدك الدرعية وإعادة الحجاز إلى الدولة العثمانية، فتواصل القصف بالمدفعية الثقيلة ليدمر أجزاء من التحصينات والقصور.
لذا نقول: لم تسقط الدرعية في سبتمبر/أيلول 1818، إنما بقيت ذاكرة تدعم وطنية الأبناء، وذاكرة جماعية منذ أن تكونت ببطء على ضفاف وادي حنيفة الشهير وسط هضبة نجد، أما حين دخلها إبراهيم باشا بجيشه، فلم يكن المشهد عسكريا خالصا، كان أقرب إلى اقتلاع حياة كاملة من جذورها، حياة تعرف أسماء آبارها، وأعداد نخيلها، وخطوات الأطفال في الأزقة الضيقة.
المدن التقليدية لا تهزم كما تهزم الجيوش، فالجيوش تهزم في ساعات، أما المدن فتهزم في طبقات، في البيت الذي يهدم، في الشجرة التي تقتلع، في السوق الذي يصمت وينهار، وفي النساء اللواتي يجمعن ما بقي من متاع في صمت يشبه الحداد. الدرعية كانت قلعة سياسية، ونسيجا من العلاقات والاعتياد والطمأنينة اليومية. لذلك، كان هدمها ضربا من إعادة تشكيل الإنسان نفسه، بجانب المكان.
لم تسقط الدرعية إنما بقيت ذاكرة تدعم وطنية الأبناء، وذاكرة جماعية منذ أن تكونت ببطء على ضفاف وادي حنيفة الشهير
وأشد صور الحدث كثافة وإنسانية، تتجسد في مصير عبد الله بن سعود. الرجل الذي أخذ من مدينته أسيرا، وهو يعلم أنها تمحى خلفه خطوة خطوة، وكانت الرحلة من نجد إلى القاهرة، ثم إلى إسطنبول، هذا الانتقال الجغرافي، كان انتقالا من عالم مألوف إلى فراغ سياسي وروحي. أن ينتزع الإنسان من تربته، من لغته اليومية، من وجوه يعرفها، ثم يختزل إلى "أسير"، فذلك شكل آخر من الهدم.
ما حدث للدرعية يذكرنا بأن العنف السياسي، حين يطول المدن، يستهدف الحجر، ويستهدف المعنى. كان المقصود أن تمحى الدرعية، لكن المفارقة التي يصنعها التاريخ دائما هي أن المدن المهدمة لا تموت بسهولة، تتحول إلى ذاكرة، والذاكرة قد تكون أصلب من الجدران، فالرد الفعلي الذي يعيشه السعوديون اليوم هو إعادتهم إحياء وادي حنيفة، وتنظيف مجرى الوادي، وزراعة بساتين النخيل والمزارع المحيطة به، وكذلك مشروع بوابة الدرعية الأضخم من نوعه، ليدخل حي الطريف المرمم إلى قائمة التراث العالمي، وبالتالي إلى وجهة سياحية عالمية، وليصبح ذكرى انتصار حقيقي.