قصص مدهشة ومواقف شيقة وراء جامع الكتب العربية والمخطوطات النادرة في مكتبة "خدا بخش"، في مدينة باتنا الهندية، والمعروفة سابقا بمدينة عظيم آباد، تعكس مدى عشق صاحب المكتبة للكتب والتراث حد المغامرة، وتعيين صائد للكتب يدعى محمد مكي، وظفه ابن مؤسس المكتبة، خدا بخش خان، لمدة ثمانية عشر عاما كاملة، بدأت من عام 1877، وبراتب شهري قدره خمسون روبية هندية، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الوقت، بالإضافة إلى عمولة خاصة عن كل كتاب متميز يأتي به من أسواق وموانئ الدول العتيقة والمدن الإسلامية والجزيرة العربية. لذا لا عجب أن في مكتبة "خدا بخش" اليوم حوالي 12 ألف مخطوطة عربية نادرة، وهي تشكل أكثر من نصف المخطوطات في المكتبة.
خلال سنوات تعيين محمد مكي الذي لقبه المؤرخون الهنود بصائد الكتب الاستثنائي، وتارة بالرجل العربي، دون أن يحددوا من أي قطر هو، استطاع أن يبدو عميلا سريا في عالم المخطوطات، وهو ينتقل بين عواصم وقرى وموانئ الخليج العربي وتركيا وإيران ومصر، بل كان يفتش حتى في المقابر القديمة لعله يظفر بالنوادر ويعود بها إلى الهند.
السفر في القرن التاسع عشر لم يكن نزهة، فكان مكي يخاطر بحياته في سبيل ورقة، معاصرا فترة الأوبئة وتفشي الأمراض المميتة مثل الكوليرا والطاعون، وكانت حينها منتشرة في موانئ البحر الأحمر والخليج العربي. وكان ينتقل عبر طرق القوافل البرية الوعرة والمراكب الشراعية الصغيرة، وهو يخفي الأموال والمخطوطات داخل ملابسه الرثة التي يتنكر بها، أو في صناديق التوابل ذات الروائح النفاذة، أو بين طيات أقمشة خشنة لتجنب تفتيش الحراس، أو قطاع الطرق على المسالك البرية، ليستمر التمويه حتى لا تسرق المخطوطات التي حصل عليها. ففي بعض الممالك والإمارات، كان بيع المخطوطات النادرة للخارج يعتبر تهريبا للتراث، على الرغم أنه يشتريها بالمال وبموافقة صاحب المخطوط.
ولم يكتف بذلك، فزرع عيونا ومخبرين له في المقاهي الشعبية أثناء سفره إلى القاهرة ودمشق وبيروت. وكان أغلب هؤلاء المخبرون من باعة القهوة أو الوراقين الصغار، ينقلون له الأخبار حول عائلات أرستقراطية تعثرت ماديا، أو عن وفاة قاض شهير في بيته مخطوطات كثيرة، أو شاب يريد الزواج، يعرض عليه شراء كتاب واحد ثمين سرا وبعيدا عن معرفة أسرته، وبسعر مغر، وعن شيخ أو عالم قد توفي وترك خزانة كتب يرغب الورثة بيعها، فيفعل المستحيل لشراء الخزانة.
كان ينتقل عبر طرق القوافل البرية الوعرة والمراكب الشراعية الصغيرة، وهو يخفي الأموال والمخطوطات داخل ملابسه الرثة التي يتنكر
كانت الإشارات والرسائل العاجلة تأتي مكي باستمرار، كأنه يعمل مفتشا استخباراتيا، ويتحرك فورا للوصول إلى كل من لا يثمن الكتب التاريخية. فكان يدخل المجالس بصفته باحثا ومحبا للعلم، ويبني معهم علاقة ثقة وصداقة لأسابيع أو أشهر، ومن خلالهم يستطيع معرفة أثمن الكتب التي كانوا يظنونها تالفة، ومن خلالهم يفتش في السراديب المظلمة للمساجد القديمة، والمستودعات المهجورة، ليرى ما يمكن شراءه، ويتردد على المقاهي ويصادق الورثة المفلسين، ويدخل سراديب الخزائن العائلية القديمة، ويشتري الكتب أحيانا في عتمة الليل بعيدا عن أعين السلطات.
في تلك السنوات كان التنسيق بينه وبين خدا بخش في الهند من خلال الرسائل المشفرة، وتقارير دورية عبر البريد البحري إلى باتنا، ومن هناك يرسل له خدا بخش الأموال سرا عبر نظام الحوالة التقليدي، وأحيانا عبر البنوك البريطانية الناشئة في الحواضر الكبرى مثل الإسكندرية، وبعدها يشحن المخطوطات كلها ويسافر بها شخصيا عبر السفن البخارية من الموانئ العربية مثل السويس وجدة، وصولا إلى موانئ الهند، ليسلمها باليد إلى خدا بخش.
هذه المغامرات أثمرت مجموعات مذهلة ما زالت في مكتبة "خدا بخش" إلى اليوم، أبرزها كتاب "التصريف" للطبيب العربي الزهراوي، يعود إلى عام 1188م، وكتاب "الحشائش في الطب" لـديوسكوريدس المترجم إلى العربية في بغداد العصر العباسي، ومخطوطات علي الكحال المتخصص في طب العيون (الكحالة)، وهي مرجع لطب العيون شرقا وغربا حتى اليوم، ونوادر تاريخية وأدبية نادرة عن الأندلس، إلى نسخ فريدة لدواوين شعرية قديمة من بلادها الأصلية، مع فهارس ومخطوطات في التفسير والحديث، ومخطوطات مكتوبة على أوراق النخيل، ومنها على جلد الغزال والقماش، ورسائل تاريخية زينت باستخدام الحبر الممزوج بدم الغزال، لحفظ اللون لقرون طويلة فلا يبهت، وأثناء زيارتي للمكتبة لاحظت هذه الأوراق الصامدة، وكأنها كتبت بالأمس، وأصبحت اليوم فخرا لولاية بهار الهندية بفضل صائد الكتب ومفاوضاته السرية.
هذه المغامرات أثمرت مجموعات مذهلة ما زالت في مكتبة "خدا بخش" إلى اليوم، أبرزها كتاب "التصريف" للطبيب العربي الزهراوي
وتبقى القصة الخالدة عن رفض الوريث "خدا بخش" رفضا قاطعا العرض المالي المغري لرئيس الوزراء البريطاني اللورد كورزون، لشراء المجموعة بأكملها ونقلها إلى المتحف البريطاني في لندن، فكان رد بخش تاريخيا: "لا أستطيع بيع التراث، وهذه المخطوطات أمانة في باتنا لخدمة أي إنسان، ولهيبة أبناء بلدي العلمية..".
وظلت عائلة خدا بخش من الأب والابن والحفيد الذي توفي دون وريث، مؤمنين أن المكتبة للجميع، لذا اليوم هي مكتبة حكومية رسمية مهمة، وبقي صائد الكتب بمغامراته قابعا في رفوفها.