أنماط الوجود الهايدغرية في "تقرير الأقلية"

أنماط الوجود الهايدغرية في "تقرير الأقلية"

استمع إلى المقال دقيقة

عندما بحثت عما يقرب فكرة أنماط الوجود عند هايدغر لأقربها إلى جمهوره العريض وجدت أن هذه الفكرة المعقدة يمكن فهمها من خلال أقصوصة من 70 ورقة كتبها عراب الخيال العلمي فيليب ديك ثم تحولت إلى فيلم سينمائي مشهور هو "تقرير الأقلية". لا أظن أن هناك شارح للفلسفة أفضل من السينما.

يقدم فيلم "تقرير الأقلية" لستيفن سبيلبيرغ عادة بوصفه فيلما عن التنبؤ بالجرائم قبل وقوعها، ومن قرأ قليلا في الفلسفة أو الدين سيقول إنه عن الصراع بين الحرية والحتمية، غير أن هذه القراءة لا تكشف إلا جانبا من العمل. فالقصة، في عمقها، تدور حول سؤال أقرب إلى الفلسفة منه إلى القانون: ما الإنسان؟ هل هو كائن يمكن التنبؤ به والسيطرة عليه كما نتنبأ بحركة الكواكب، أم إنه إمكانية مفتوحة لا يمكن اختزالها إلى أي تقرير مسبق؟ هذا السؤال هو نفسه الذي شغل هايدغر في كتابه "الوجود والزمان"، ولذلك تبدو أحداث الفيلم تجسيدا دراميا لعدد من أنماط الوجود التي حللها.

يبدأ الفيلم بعالم يبدو مستقرا ومطمئنا. فقد نجحت منظومة "ما قبل الجريمة" في القضاء على جرائم القتل تقريبا. والناس نسوا جرائم القتل وصاروا يعيشون داخل هذه المنظومة بثقة كاملة، حتى إنهم لم يعودوا يتساءلون عن أسسها. هنا نجد أول أنماط الوجود الهايدغرية: الوجود اليومي. فالإنسان يعيش داخل عالم مألوف من المسلمات والعادات والمؤسسات التي تبدو طبيعية إلى درجة أنها لا تثير أي سؤال. إن الناس لا يفكرون في المنظومة لأنهم يسكنونها كما يسكن المرء منزله.

ومن داخل هذا العالم يظهر نمط آخر هو الوجود التقني. فالعالم كله يفهم من خلال الحساب والتنبؤ والسيطرة. لم يعد الإنسان يرى بوصفه كائنا حرا، بل بوصفه مجموعة من المعطيات يمكن تحويلها إلى توقعات دقيقة. المستقبل نفسه أصبح موضوعا للإدارة التقنية. وهذا ما كان هايدغر يحذر منه في نقده للتقنية الحديثة، إذ تتحول الموجودات كلها إلى موارد قابلة للتنظيم والاستعمال، ويصبح الإنسان نفسه جزءا من هذا المخزون.

لكن هذه المنظومة لا تكتفي بإخضاع الإنسان للتقنية، بل تحوله أيضا إلى شيء حاضر أمام الملاحظة. فالمتهم لا ينظر إليه بوصفه شخصا يعيش ويختار ويخطئ، بل بوصفه موضوعا يمكن وصف مستقبله مسبقا. هنا يظهر نمط الحاضر بوصفه موضوعا. لقد اختفى الإنسان الحي وراء صورة موضوعية يمكن التعامل معها كما نتعامل مع أي شيء آخر.

القلق عند هايدغر ليس خوفا من خطر محدد، بل تجربة ينهار فيها العالم المألوف بأكمله

وفي المقابل، يعيش المجتمع مع المنظومة بوصفها شيئا جاهزا للاستعمال. شيء يعمل بكفاءة، ولذلك لا يلفت الانتباه إلى نفسه. تماما كما لا يفكر النجار في مطرقته ما دامت تؤدي وظيفتها، لا يفكر المواطنون في طبيعة المنظومة ما دامت تحقق الأمن. وهذا ما يسميه هايدغر نمط الجاهز للاستعمال.

غير أن الأشياء تنكشف غالبا عندما تتعطل. وهذه هي نقطة التحول المركزية في الفيلم. فعندما تعلن المنظومة أن بطل القصة جون أندرتون نفسه سيصبح قاتلا، يتعطل العالم الذي كان يؤمن به. فجأة تنتقل المنظومة من كونها أداة موثوقة إلى مشكلة تحتاج إلى تفسير. وكما تنكشف المطرقة عند انكسارها، تنكشف منظومة "ما قبل الجريمة" عند أول شرخ يصيبها.

ومن هنا تبدأ رحلة أندرتون الوجودية. فهو لا يكتشف فقط احتمال وقوع خطأ في المنظومة، بل يكتشف أنه كان يعيش داخل حالة من الوقوع. لقد سلم للمنظومة بكل ثقله المعنوي، واعتمد على نجاحه العملي بوصفه دليلا كافيا على صحته. كان يعيش كما يعيش الجميع، ويفكر كما يفكر الجميع. ولم يبدأ التساؤل إلا عندما أصبح هو نفسه موضوع الاتهام.

عند هذه اللحظة يظهر القلق. والقلق عند هايدغر ليس خوفا من خطر محدد، بل تجربة ينهار فيها العالم المألوف بأكمله. كل ما كان ثابتا يصبح موضع شك. وهذا ما يمر به أندرتون حين يجد نفسه مطاردا من المؤسسة التي كان يمثلها. لم يعد يعرف من هو، ولا ما إذا كان المستقبل الذي قيل له إنه ينتظره هو مستقبله فعلا.

ومن داخل القلق ينفتح أهم مفهوم في الفيلم كله: الوجود بوصفه إمكانية. فالمنظومة تفترض أن الإنسان يملك مستقبلا واحدا محددا سلفا. أما "تقرير الأقلية" فيكشف أن المستقبل ليس واحدا. هناك أكثر من احتمال، وأكثر من مسار، وأكثر من إمكانية. وهنا يقترب الفيلم من قلب فلسفة هايدغر. فالإنسان ليس شيئا ثابتا، بل مشروع مفتوح على ما يمكن أن يكونه. إنه لا يساوي ما هو عليه الآن، بل يساوي أيضا إمكاناته التي لم تتحقق بعد.

ولهذا يصبح "تقرير الأقلية" أكثر من مجرد تقرير مختلف عن تقرير الأكثرية. إنه تمرد على الفكرة الأساسية التي تقوم عليها المنظومة كلها. فوجود احتمال آخر يعني أن الإنسان لا يمكن اختزاله إلى نتيجة واحدة نهائية. وما دام الإنسان قادرا على الاختيار، فإن مستقبله يظل مفتوحا.

ويتصل بذلك مفهوم الزمانية، وهو من أهم مفاهيم هايدغر. فالمستقبل في الفيلم ليس مجرد لحظة لم تأت بعد، بل هو العنصر الذي يحدد معنى الحاضر كله. غير أن المنظومة تفهم المستقبل بوصفه حدثا مقررا سلفا، بينما يكشف الفيلم أن المستقبل مجال للإمكانات لا يمكن إغلاقه مسبقا.

ما دام الإنسان إمكانية مفتوحة، فإن أي منظومة تدعي معرفة مستقبله معرفة نهائية به إنما تسيء فهمه منذ البداية

وفي نهاية المطاف لا يسقط جهاز تقني فحسب، بل يسقط تصور كامل للإنسان. لقد افترضت المنظومة أن الإنسان يمكن أن يتحول إلى موضوع للحساب والتنبؤ، لكن الفيلم ينتهي بإظهار حدود هذا الافتراض. فالإنسان ليس معادلة، وليس تقريرا، وليس نتيجة يمكن استخراجها مسبقا. إنه كائن يعيش دائما بين ما هو عليه وما يمكن أن يكونه.

ولعل هذه هي الرسالة الفلسفية الأعمق في "تقرير الأقلية". فالفيلم لا يدافع عن الحرية بوصفها حقا قانونيا فقط، بل يدافع عنها بوصفها بنية أساسية من بنى الوجود الإنساني نفسه. وما دام الإنسان إمكانية مفتوحة، فإن أي منظومة تدعي معرفة مستقبله معرفة نهائية به إنما تسيء فهمه منذ البداية.

font change