الجذور الدينية في سينما سبيلبرغ

الجذور الدينية في سينما سبيلبرغ

استمع إلى المقال دقيقة

الإعلان الدعائي الأخير لفيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد "يوم الانكشاف" حول الكشف عن وجود ذكاء غير بشري، أعاد إحياء نقاش قديم حول العلاقة بين الخيال العلمي والدين. فقد ظهر سبيلبرغ بنفسه في ترويج الفيلم ليقول إنه أصبح اليوم أكثر ميلا مما كان عليه عندما صنع فيلم "لقاءات قريبة من النوع الثالث" إلى الاعتقاد بأننا لسنا الحضارة الذكية الوحيدة في الكون. وأضاف أن الفيلم يتناول الحدث الأكثر استثنائية في تاريخ البشرية، وأن مثل هذا الكشف قد يغير البشر إلى الأفضل ويذكرهم بقدرتهم على التعاطف، وبأن هناك شيئا أكبر منهم. أما العبارة التي أثارت أكبر قدر من الجدل فكانت قوله إنه لم يعد يتساءل: هل هذا حقيقي؟ إنما: ألن يكون رائعا لو عرف الناس أن كل هذا حقيقي؟

وقد دفع هذا التصريح بعض الكتاب إلى الذهاب بعيدا في التأويل. فذهب بعضهم إلى أن ما يسميه سبيلبرغ "الذكاء غير البشري" هو "النفليم"، أو الملائكة الساقطة الواردة في بعض التقاليد اليهودية القديمة. غير أن هذا الاستنتاج لا يظهر في كلام سبيلبرغ نفسه. فقد تحدث عن حضارات ذكية أخرى، وعن الأثر الأخلاقي والروحي لاكتشافها، لكنه لم يذكر "النفليم" أو المراقبين أو عزازيل أو كتاب أخنوخ. ومع ذلك فإن مجرد ظهور هذه التأويلات يكشف عن أمر مهم، وهو أن كثيرا من الناس ما عادوا يرون الخيال العلمي منفصلا تماما عن الأساطير والرموز الدينية القديمة.

حين يذكر اسم سبيلبرغ يتبادر إلى الذهن فورا أفلام الخيال العلمي والمغامرة والمؤثرات البصرية. فهو المخرج الذي قدم للعالم النسخة الأكثر إبهارا بصريا للكائنات الفضائية والديناصورات والعوالم المستقبلية. لكن هذه الصورة تخفي جانبا آخر أقل ظهورا وأعمق، وهو أن كثيرا من أفلامه تستمد طاقتها الرمزية من مصادر دينية قديمة، وخصوصا من التراث التوراتي. ولهذا يمكن النظر إلى جزء كبير من مشروعه السينمائي بوصفه محاولة لإعادة صياغة الأسئلة الدينية الكبرى بلغة الخيال العلمي الحديث.

ولا يعود ذلك إلى أن سبيلبرغ يصنع أفلاما دينية بالمعنى التقليدي، بقدر ما يعود إلى حقيقة أنه يحمل اهتماما دائما بالقضايا التي شغلت الأديان منذ القدم: الخلاص والنجاة، والعلاقة بين الإنسان وما يتجاوز الإنسان، ومعنى وجود قوة أو حقيقة أعظم من البشر. وهذه الموضوعات تظهر في أعماله حتى عندما تكون أحداثها بعيدة ظاهريا عن الدين.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك فيلم "غزاة التابوت المفقود"، الذي يدور حول تابوت العهد، أحد أكثر الرموز قداسة في التراث التوراتي. فالخطر الذي يمثله التابوت يعود إلى قداسة لا يستطيع الإنسان السيطرة عليها. وهنا يظهر موضوع ديني قديم يتكرر في ثقافات كثيرة: الإنسان يحاول امتلاك القوة المتعالية، لكنه يكتشف أن المتعالي لا يمكن إخضاعه لإرادة البشر.

الإنسان يقف أمام شيء يفوق فهمه ويشعر في الوقت نفسه بالخوف والانجذاب، وهذه هي البنية نفسها التي عرفتها التجارب الدينية الكبرى

أما في أفلام الخيال العلمي، فإن حضور الدين يصبح أكثر خفاء. ففي "لقاءات قريبة من النوع الثالث" تظهر الكائنات الفضائية بوصفها كائنات تثير الدهشة والرهبة لا العداوة. إن اللقاء معها يشبه تجربة دينية أكثر مما يشبه مواجهة علمية. فالإنسان يقف أمام شيء يفوق فهمه ويشعر في الوقت نفسه بالخوف والانجذاب، وهذه هي البنية نفسها التي عرفتها التجارب الدينية الكبرى عبر التاريخ.

ويزداد هذا الطابع وضوحا في فيلم "إي تي". فالكائن الفضائي فيه ليس مجرد زائر من الفضاء، بل شخصية خَلاصِيّة تقريبا. فهو يأتي من عالم آخر، ويصنع روابط محبة مع البشر، ثم يغادر في مشهد يشبه الصعود إلى السماء. ولهذا رأى بعض النقاد أن الفيلم يستخدم بنية رمزية قريبة من قصص الخلاص الدينية، وإن كان يعيد تقديمها داخل إطار علمي حديث.

ومن المثير للاهتمام أن فكرة وجود حضارات أخرى في الكون ليست جديدة. فقد عبّر عنها الفيلسوف الفرنسي برنار لوبوفير دوفونتينيل في القرن السابع عشر عندما رأى أن كثرة النجوم والعوالم تجعل من المعقول افتراض وجود سكان آخرين للكون. وبعده بقرون أصبحت الفكرة مرتبطة بعالم الفلك الشهير كارل ساغان الذي أشهَر نظرية "الهدر الكوني" (Waste Argument) في عبارته: "إن الكون مكان هائل الاتساع، فإذا كنا نحن وحدنا فيه فسيبدو ذلك هدرا عظيما للمساحة". لكن ساغان كان يتعامل مع القضية بوصفها احتمالا علميا وفلسفيا، لا بوصفها مسألة دينية. وهنا يظهر الفرق بين ساغان وسبيلبرغ. فساغان كان يسأل: هل توجد حضارات أخرى؟ أما سبيلبرغ فيقفز إلى الاعتقاد بوجودها وطرح السؤال: ماذا سيحدث لنا إذا اكتشفنا أنها موجودة؟ ولذلك تميل أفلامه إلى الاهتمام بالأثر الوجداني والروحي لهذا اللقاء، أكثر من اهتمامها بالجوانب العلمية البحتة.

غير أن الأثر الديني الأعمق في سينما سبيلبرغ يتعلق قبل كل شيء بطريقة النظر إلى العالم. ففي كثير من أفلامه يحضر الكون بوصفه مكانا مليئا بالغموض والمعنى، لا مجرد فضاء مادي تحكمه قوانين فيزيائية. هناك دائما شيء أكبر من الإنسان، شيء لا يستطيع العقل أن يحيط به بالكامل. وهذه النظرة تختلف عن الخيال العلمي الذي يعتقد أن جميع الألغاز ستحل في النهاية بواسطة العلم والتقنية.

ولعل هذا ما يفسر قدرة أفلام سبيلبرغ على الوصول إلى جمهور واسع. فهي لا تخاطب الفضول العلمي فحسب، بل تخاطب أيضا حاجة البشر القديمة إلى الدهشة. إنها تعيد إحياء السؤال الديني في صورة جديدة. صورة مختلفة لكن الشعور الأساسي يبقى هو نفسه: مواجهة الإنسان لشيء يتجاوز قدرته على الفهم والسيطرة.

يمكن القول إن سبيلبرغ لم يترك المصادر الدينية وراءه عندما اتجه إلى الخيال العلمي، بل حملها معه إلى المستقبل

لهذا يمكن القول إن سبيلبرغ لم يترك المصادر الدينية وراءه عندما اتجه إلى الخيال العلمي، بل حملها معه إلى المستقبل. فالتوراة والأسطورة والرمز الديني لا تظهر في أفلامه بوصفها بقايا من الماضي، بل بوصفها لغة خفية ما زالت تعمل تحت سطح الحكايات الحديثة. إنه لا يصنع أفلاما عن الدين، ولا يصنع أفلاما عن العلم وحده، بل يصنع أفلاما تقع في المنطقة الفاصلة بينهما، حيث يمزج المجهول الديني بالمجهول الكوني.

font change