أزمة جدوى أم أزمة تحديث

أزمة جدوى أم أزمة تحديث

استمع إلى المقال دقيقة

"العقل العربي عقل مستقيـل"، ربما تكون هذه العبارة التي صاغها المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري من أكثر العبارات إثارة للتأمل كلما طرحت قضية العلوم الإنسانية في العالم العربي. فبعيدا عن الجدل الذي أثارته المقولة، فإنها تفتح بابا واسعا للتساؤل حول علاقة العقل العربي بإنتاج المعرفة، وحول مدى قدرته على النقد والابتكار، أو اكتفائه بالاستهلاك وإعادة التدوير.

ولعل التعبير الأقرب لوصف واقع العلوم الإنسانية اليوم في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية ليس أزمة التمويل أو التوظيف فحسب، بل أزمة التبعية المعرفية، إذ نجد أنفسنا في كثير من الأحيان أمام انتقال غير نقدي لبعض المفاهيم والنظريات الإنسانية الغربية إلى بيئتنا الثقافية، وكأنها حقائق كونية صالحة للتطبيق بالمعنى ذاته في جميع المجتمعات، دون مساءلة خلفياتها التاريخية أو افتراضاتها الثقافية أو مدى ملاءمتها لسياقاتنا الاجتماعية.

في العقود الأخيرة، لم يعد التقدم التقني نتاجا للفضول العلمي وحده، بل أصبح جزءا من منظومة اقتصادية عالمية تسعى باستمرار إلى تعظيم الكفاءة والإنتاجية وخفض التكاليف. وفي ظل ما يسميه بعض المفكرين "التوحش الرأسمالي" أو الرأسمالية المفرطة، تحولت الآلة من أداة مساعدة للإنسان إلى معيار يقاس الإنسان نفسه بقدرته على مجاراتها. فأصبحت السرعة أهم من التأمل، والإنتاجية أهم من المعنى، والقيمة الاقتصادية أكثر حضورا من القيمة الإنسانية.

وفي هذا السياق، جاء الذكاء الاصطناعي بوصفه التعبير الأحدث عن هذا المسار التاريخي، إذ لم يعد السؤال المطروح هو كيف تخدم التقنية الإنسان، بل كيف يمكن إعادة تشكيل الإنسان ومؤسساته التعليمية والثقافية لتتلاءم مع متطلبات التقنية والسوق. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والاجتماعية، باعتبارها الحقل المعرفي القادر على حماية البعد الإنساني من الاختزال في معادلات الربح والكفاءة.

هذه التساؤلات كانت محورا مهما في اللقاء الفكري الذي تشرفت بالمشاركة فيه بدعوة كريمة من مركز الخليج للأبحاث ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، وهما مؤسستان تؤديان دورا معرفيا وثقافيا رائدا في تعزيز الحوار الفكري وإثراء النقاشات المتعلقة بقضايا المجتمع والتنمية والثقافة.

لقد أصبح من الشائع النظر إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية باعتبارها أقل ارتباطا بالاقتصاد وسوق العمل مقارنة بالتخصصات التقنية والهندسية. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن التنمية هي مشروع إنساني قبل أن تكون مشروعا تقنيا. فكل سياسة عامة، وكل تحول اقتصادي، وكل ابتكار تقني، إنما يتفاعل في النهاية مع الإنسان وقيمه وسلوكه وأنماط تفكيره.

ومن المفارقات أن صعود الذكاء الاصطناعي، الذي يعتقد أحيانا أنه يهدد مكانة العلوم الإنسانية، قد أعاد في الواقع تأكيد أهميتها. فكلما ازدادت قدرة الآلة على معالجة البيانات وإنتاج المحتوى، ازدادت الحاجة إلى المهارات التي لا يمكن برمجتها بالكامل، مثل التفكير النقدي، والحكم الأخلاقي، وفهم السياقات الاجتماعية والثقافية، والقدرة على تفسير المعنى لا مجرد إنتاج المعلومات.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه العلوم الإنسانية اليوم يتمثل في قدرتها على إعادة تموضع نفسها داخل المنظومة التعليمية والمعرفية. فالأزمة هي أزمة تحديث وتطوير و"خروج من دائرة الشك"- كما ذكر الناقد والمفكر السعودي منصور تنباك. كثير من البرامج الأكاديمية أسيرة نماذج تقليدية تفصل المعرفة النظرية عن احتياجات المجتمع المعاصر، وتغفل الإمكانات التطبيقية الواسعة لهذه التخصصات في مجالات صناعة السياسات، والاقتصاد السلوكي، وتحليل البيانات الاجتماعية، وتصميم التجربة الإنسانية، وأخلاقيات التقنية.

حين تضعف العلوم الإنسانية المحلية، تضعف معها القدرة على الفهم النقدي والانتقاء الواعي، وتتحول المعرفة إلى مجرد عملية استهلاك واستيراد


وفي السياق العربي تحديدا، يبرز تحد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تدفق النماذج المعرفية والثقافية العالمية بوتيرة متسارعة. فحين تضعف العلوم الإنسانية المحلية، تضعف معها القدرة على الفهم النقدي والانتقاء الواعي، وتتحول المعرفة إلى مجرد عملية استهلاك واستيراد. أما المجتمعات التي نجحت في بناء نهضتها، فلم تكتف بنقل الأفكار، إنما أعادت إنتاجها بما يتناسب مع سياقاتها الثقافية والتاريخية.

من هنا تكتسب العلوم الإنسانية بعدا استراتيجيا يتجاوز حدود الجامعة أو سوق العمل، لتصبح جزءا من مفهوم السيادة الثقافية ذاته. فهي الحاضنة التي تحفظ الذاكرة الجمعية، وتساعد على تفسير التحولات الاجتماعية، وتمنح المجتمع القدرة على التفاعل مع العالم دون فقدان خصوصيته.

ولعل من أبرز التحديات التي تستحق المراجعة أيضا تلك النظرة الهرمية التي تضع التخصصات (STEM) في مرتبة أعلى من غيرها، التقدم الحقيقي لا يتحقق عبر هيمنة تخصص على آخر إنما في التكامل.

إن المستقبل لا يحتاج إلى إنسان أحادي المعرفة، بل إلى عقل قادر على الجمع بين التحليل العلمي والفهم الإنساني. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية هي استثمار في قدرة المجتمع على التفكير النقدي، وصناعة المعنى، وحماية هويته الثقافية. فالذكاء الاصطناعي قد يساعدنا على الوصول إلى المعلومات بسرعة أكبر، لكنه لا يستطيع أن يجيب عن السؤال الأهم: ماذا تعني هذه المعلومات للإنسان؟ وهنا تحديدا تبدأ مهمة العلوم الإنسانية، وتنتهي حدود الآلة.

font change

مقالات ذات صلة