الثقافة من الأرقام إلى الأثر

الثقافة من الأرقام إلى الأثر

حين نقرأ تقرير وزارة الثقافة السعودية 2025، الصادر أخيرا، فإننا لا نقف أمام مجرد وثيقة حكومية تستعرض منجزات عام واحد، بل أمام سجل مكثف لمرحلة كاملة من التحول الثقافي الذي تشهده المملكة منذ انطلاق رؤية 2030. تقرير ثري بالأرقام، واسع في تفاصيله، يعكس حجم الجهد المبذول في بناء قطاع ثقافي حديث يتجاوز المفهوم التقليدي للثقافة بوصفها نشاطا نخبويا محدود التأثير.

الأرقام التي طرحها التقرير لافتة دون شك: آلاف الأيام من الفعاليات الثقافية، مئات الآلاف من العاملين في القطاع، ملايين الزوار للمواقع التراثية، واتفاقيات استثمارية بمليارات الريالات. كل ذلك يشير إلى حقيقة واضحة مؤكدة: أن الثقافة في السعودية لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءا فاعلا في الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وعنصرا حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية.

غير أن قيمة هذا النمو لا تكمن في حجمه فحسب، بل في دلالته ومضمونه. فالتحول الأهم الذي يكشفه التقرير هو انتقال الثقافة من كونها نشاطا رمزيا إلى كونها قطاعا إنتاجيا يمتلك أدواته الاقتصادية وفرصه الاستثمارية. وهذا تطور طال انتظاره في الخطاب الثقافي العربي، الذي ظل سنوات يفصل بين الثقافة والاقتصاد، وكأنهما خطان مستقيمان لا يلتقيان.

من زاوية أخرى، يبرز لنا التقرير اتساع المشاركة المجتمعية كأحد المؤشرات الإيجابية اللافتة، فمبادرات مثل "الشريك الأدبي" تعكس تحولا في فلسفة العمل الثقافي، حيث لم يعد الجمهور مطالبا بالذهاب إلى المؤسسات، بل أصبحت الثقافة نفسها تذهب إليه، في المقاهي والأحياء والمساحات العامة، وهذا التطور يعيد دمج الثقافة في النسيج اليومي للمجتمع، ويخرجها من عزلتها التقليدية وفضائها النخبوي. ويعد هذا منجزا ثقافيا مهما يذهب بنا إلى قيمة المبادرة وأهميتها، ودورها الاستثنائي في الانتشار الثقافي بين عموم المدن وتطويرها من عام إلى آخر لتغدو مصدر إلهام ورافد لا غنى للمثقفين عنه.

لكن، وعلى الرغم من هذا الزخم، فإن القراءة المتأنية للتقرير تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق. فالتقرير وعلى الرغم من ثرائه يركز بشكل كبير على ما يمكن قياسه رقميا، لكنه يترك فجوة واضحة في ما يتعلق بقياس الأثر الحقيقي. نحن نعرف من خلاله كم فعالية أُقيمت، وكم زائرا حضر، وكم اتفاقية وُقعت، لكننا لا نعرف بما يكفي ماذا غيرت هذه الفعاليات في سلوك الناس، ولا كيف أثرت على علاقتهم بالقراءة، أو بالإبداع، أو بالمشهد الثقافي عموما، وهنا تحديدا يكمن التحدي الحقيقي للمرحلة المقبلة.

فالمرحلة الماضية كانت مرحلة تأسيس: بناء البنية التحتية، وإطلاق المبادرات، وتثبيت الحضور محليا ودوليا. وقد نجحت الوزارة نجاحا لافتا في تحقيق هذا الهدف. أما اليوم، فإن التحدي لم يعد في كم نفذ، بل في ماذا نفذنا؟ لم يعد السؤال: كم معرضا أقيم؟ بل: هل خلق هذا المعرض وعيا مجتمعيا جديدا؟ لم يعد السؤال: كم مهرجانا نظمنا؟ بل: هل غير هذا المهرجان علاقة الجمهور بالثقافة؟

 ربما يكون أهم ما يقدمه هذا التقرير ليس ما يقوله، بل ما يلمح إليه: أننا أنجزنا الكثير لكن الإنجاز الأهم يبدأ الآن

هذا التحول في طبيعة الأسئلة ليس تقليلا من حجم الإنجاز، بل هو دليل على نضج المشهد نفسه. فالمجتمعات التي تبني قطاعاتها الثقافية تمر دائما بمرحلتين مفصليتين: مرحلة إثبات الوجود، ومرحلة قياس الأثر. ويبدو أن السعودية بدأت تنتقل بوضوح إلى المرحلة الثانية.

 ومن المهم أيضا التوقف عند أحد الجوانب التي لم يمنحها التقرير ما تستحقه من مساحة، وهو التحول في الصورة الثقافية للمملكة على المستوى العالمي، فخلال مدة قصيرة، أصبحت الثقافة السعودية حاضرة في منصات دولية كبرى، من "البيناليات" إلى المعارض العالمية، بوصفها تجربة تتشكل ولها صوتها الخاص. هذا التحول في القوة الناعمة يمثل أحد أهم مكاسب المرحلة.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من التحديات، فتعثر بعض المبادرات وتأخرها يكشف أن الإشكال لم يعد في المشاريع، بل في التنفيذ، خصوصا في ما يتعلق بالإجراءات الدقيقة والتنسيق بين الجهات المختلفة، ثم أن بعض القطاعات، مثل النشر المستقل أو دعم المبدعين الشباب، لا تزال تحتاج إلى مزيد من التركيز لضمان استدامة الإنتاج الثقافي، لا الاكتفاء بتنظيم الفعاليات.

في المحصلة النهائية يمكن القول أن تقرير 2025 نجح في توثيق مرحلة الوفرة: وفرة المبادرات، والفعاليات، والاستثمارات، لكنه في الوقت ذاته يطرح بشكل غير مباشر سؤال المرحلة المقبلة: كيف ننتقل من هذه الوفرة إلى الأثر؟

فالنجاح الثقافي الحقيقي يقاس بعمق التغيير الذي تتركه هذه الأحداث في الإنسان، ولا يقاس بالحضور اللحظي، بل بالاستمرارية، ولا يقاس بالأرقام وحدها، بل بالتحول في الوعي والسلوك الثقافي الجمعي، ولهذا، ربما يكون أهم ما يقدمه هذا التقرير ليس ما يقوله، بل ما يلمح إليه: أننا أنجزنا الكثير لكن الإنجاز الأهم يبدأ الآن.

font change