ما بعد عصر البراءة

ما بعد عصر البراءة

استمع إلى المقال دقيقة

تبدأ افتتاحية فيلم "العالم الجديد" لتيرنس ماليك بعبارة لافتة: "يخطئ من يظن أنه يعرف فرجينيا". تبدو الجملة لأول وهلة مجرد تمهيد جغرافي، لكنها في حقيقتها إعلان فلسفي. فماليك لا يريد أن يحدثنا عن تاريخ ولاية أميركية، ففرجينيا ليست أميركا ولا غيرها من الدول، بل طريقة جديدة يرى بها الإنسان العالم. إنها ولادة جديدة للعالم. نحن نظن أننا نعرف المكان لأننا نحفظ اسمه وحدوده وتاريخه، بينما المعرفة الحقيقية لا تبدأ إلا عندما ينكشف المكان لنا بوصفه عالما حيا. ولهذا فإن "العالم الجديد" ليس قارة جديدة، بل استعادة لرؤية فقدها الإنسان.

من هنا تصبح البراءة في الفيلم مفهوما فلسفيا لا أخلاقيا. فهي ليست الطيبة ولا السذاجة ولا الجهل، وإنما حالة وجودية يعيش فيها الإنسان في العالم قبل أن يحوله إلى موضوع للمنفعة. البراءة هي أن تستقبل الأشياء قبل أن تسأل: ماذا يمكن أن أفعل بها؟ وكيف أستفيد منها؟ وأن تراها قبل أي حساب. إنها لحظة يسبق فيها اللقاء الامتلاك.

هذه الفكرة تلتقي مع قلب فلسفة مارتن هايدغر. فقد رأى أن الفلسفة الغربية انشغلت بالموجودات ونسيت الوجود نفسه. وأصبح الإنسان يفهم بوصفه ذاتا مستقلة تقف أمام موضوعات خارجية تراقبها وتسيطر عليها. أما هايدغر فيقلب الصورة، فالإنسان ليس مراقبا للعالم، بل هو موجود فيه منذ البداية. لا يقف خارجه ثم يدخله، وإنما يولد داخله، ويتشكل فهمه لنفسه من خلال علاقته به. ولهذا لا ينكر هايدغر الذات كما يشاع، وإنما ينكر الذات الديكارتية التقليدية المنعزلة. فالإنسان ليس عقلا معلقا فوق الأشياء، بل هو الكائن الذي ينكشف فيه العالم. ومن هنا تصبح الحقيقة نفسها انكشافا، لا مجرد مطابقة بين الفكر والواقع. فالحقيقة ليست تعريفا صحيحا لحقيقة الشجرة، وإنما حضور الشجرة نفسها داخل تجربة الإنسان.

ويترجم ماليك هذه الفكرة إلى لغة سينمائية لا تحتاج إلى الشرح. الضوء المتسلل بين الأشجار، وحركة الماء، والريح، والصمت، وأصوات الطيور، كلها ليست عناصر جمالية فحسب، بل وسائل تجعل العالم ينكشف أمام المشاهد. ولذلك تبدو الطبيعة في الفيلم شخصية كاملة، وليست مجرد ديكور للأحداث. ترافق الإنسان وتشارك في تشكيل وعيه.

ومن أجمل ما يفعله ماليك أنه يضع أمامنا طريقتين مختلفتين لرؤية المكان. الإنجليزي يصل إلى فرجينيا حاملا الخرائط، أما ابن الأرض فلا يحمل خريطة لأنه يسكن المكان. الأول يعرف الاتجاهات، والثاني يعرف العالم. الأول يقيس الأرض، والثاني يعيشها. وبين المعرفة بالخريطة والمعرفة بالسكنى هاوية هائلة، وهي المسافة التي يريد الفيلم كشفها.

ولا يصور ماليك السكان الأصليين بوصفهم نموذجا مثاليا يحتذى، ولا يقدم الحضارة الأوروبية باعتبارها شرا مطلقا، وإنما يكشف اختلافا جذريا في طريقة الانفتاح على العالم. فحين ينظر الإنجليز إلى الغابة يرون أخشابا، وحين ينظرون إلى النهر يرون طريقا للتجارة، وحين ينظرون إلى الأرض يرون ملكية يمكن تسجيلها. أما القبيلة فترى في الأشياء موطنا للحياة وليست مجرد مادة للاستغلال.

هنا يطرح الفيلم سؤالا بالغ العمق: متى انتهت البراءة؟ هل انتهت مع اندلاع الحرب بين الطرفين؟ أم إنها انتهت قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي تحولت فيها الأرض من بيت يسكن إلى شيء يمتلك؟ إن الحرب ليست سوى النتيجة الأخيرة لتحول أسبق منها، تحول في نظرة الإنسان إلى العالم.

الشخصية التي تتغير حقا ليست الفتاة، بل المستعمر جون سميث. إنه يصل بعقل الجندي والمستكشف، ثم يجد نفسه يعيش تجربة لم تكن في حسبانه. أسره لدى القبيلة لا يتحول إلى إذلال، بل يتضح أنه ولادة جديدة. وهنا يقدم ماليك مثالا سينمائيا لما يسميه هايدغر "الحقيقة بوصفها انكشافا". نظن أننا نعرف حقائق لكنها تتغير باستمرار.

أصبح الإنسان يفهم بوصفه ذاتا مستقلة تقف أمام موضوعات خارجية تراقبها وتسيطر عليها

جون سميث لا يجمع معلومات جديدة عن فرجينيا، بل تتكشف له حقائق كانت محجوبة عنه. يكتشف أن السكان المحليين ليسوا أولئك "المتوحشين" الذين رسمتهم مخيلته الأوروبية، بل بشر يتمتعون بالكرامة الإنسانية، ولهم نظامهم وحكمتهم وعلاقاتهم الإنسانية. ويكتشف أن الغابة ليست عائقا أمام الحضارة، بل عالم نابض بالحياة، وأن الأرض ليست غنيمة، بل موطن، وأن الطبيعة ليست مادة خاما، بل شريك في الوجود. لم يتغير شيء في العالم الخارجي، وإنما تبدلت الطريقة التي انكشف بها هذا العالم أمامه. وهذا هو معنى انكشاف الحقيقة عند هايدغر، إنها ليست إضافة معلومات إلى الذهن، بل خروج العالم من الاحتجاب إلى الانكشاف. ومن هنا يكمن معنى البراءة، فهي ليست الرجوع إلى الطفولة، بل التحرر من وهم أن العالم موجود فقط لكي نستعمله.

ولعل هذا هو السبب في أن قصة الحب في الفيلم تبدو أعمق من قصة عاطفية. فلقاء جون سميث والفتاة هو لقاء بين نمطين من أنماط الوجود المختلفة. ولهذا فإن فقدانها لا يعني ضياع امرأة أحبها، بل ضياع الإمكان الذي فتحته له، إمكان النظر إلى العالم بعين أخرى.

ومن اللافت أن ماليك لا يربط البراءة بالزمن القديم، بل يجعلها إمكانية دائمة. فالإنسان قد يعيش في قلب مدينة حديثة ويبقى محتفظا بها، وقد يعيش وسط الغابات ويفقدها. فالبراءة ليست مكانا، وإنما موقف من الوجود. إنها القدرة على الإصغاء قبل إصدار الأحكام، والسكن قبل السيطرة، والفهم قبل التصنيف.

ومن هنا نفهم أيضا نقد هايدغر للتقنية. فمشكلته لم تكن مع الآلات في ذاتها، وإنما مع العقل الذي يرى كل شيء بوصفه موردا جاهزا للاستخدام والاستهلاك. هي بدورها نمط من أنماط الوجود. التقنية قبل أن تكون مصنعا هي طريقة في النظر، وحين تصبح هذه الطريقة هي الوحيدة الممكنة، يختفي العالم بوصفه عالما، ولا يبقى إلا مخزون من الموارد. عندئذ لا تخسر الطبيعة وحدها، بل يخسر الإنسان نفسه، لأنه يفقد القدرة على الاندهاش.

font change