"لا بد أن الطيور، على الأقل، تدرك أن السماء توشك أن تستحيل إلى ظلام" (الشاعر الأميركي روبرت فروست).
لطالما كانت الطيور ملهمتي، وفي هذا النص البسيط والعميق بعنوان "القبول" (Acceptance)، يختزل فروست حكمة الطبيعة في درس أخلاقي رفيع، فالطيور، وقد ألفت تعاقب النور والظلام، لا تقاوم ما هو محتوم، بل تستجيب له بسكينة تنبع من انسجامها مع نظام الكون والوجود. ولعل في هذا التصوير ما يدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، فالتقبل ليس استسلاما سلبيا، بل وعي بحدود الإنسان، وإدراك بأن كثيرا من الصراعات تنشأ من رفض الاختلاف أو مقاومة ما لا سبيل إلى تغييره.
ومن هذا المعنى يمكن النظر إلى التسامح بوصفه أحد أكثر الأفعال الأخلاقية تعقيدا وإنسانية، لأنه لا ينشأ من غياب الألم، بل من الوعي الكامل به. فالتسامح الحقيقي لا يعني التغاضي عن الظلم، ولا تبرير الإساءة، ولا محو الذاكرة. إنه هو قرار أخلاقي يرفض أن يتحول الإنسان إلى امتداد للكراهية التي تعرض لها، أي قدرة الذات على الاعتراف بالأذى دون أن تجعل منه هويتها النهائية.
ومن هنا يختلف التسامح عن التغاضي، لأن التغاضي يحمل قبولا ضمنيا بالإساءة أو استسلاما لها، كما يختلف عن التبرير الذي يسعى إلى تخفيف مسؤولية المسيء. فالمتسامح لا يبرئ الفعل الخاطئ، بل يعترف به بوضوح، ثم يختار أن لا يكون الرد عليه إعادة إنتاج للعنف نفسه. ولهذا رأى إيمانويل كانط أن القيمة الأخلاقية للفعل تنبع من الإرادة الحرة واحترام الكرامة الإنسانية، لا من الانفعال أو المنفعة. والتسامح بهذا المعنى فعل حر تتجاوز فيه الذات رغبتها الطبيعية في الانتقام حفاظا على إنسانيتها أولا.
وقد استطاع الأدب أحيانا أن يعبر عن هذه اللحظة الأخلاقية بعمق يفوق التنظير الفلسفي. ففي "البؤساء" يظهر الأسقف ميريل وهو يعفو عن جان فالجان بعد سرقته الفضة. وفي ذلك لم يكن ضعيفا ولا ساذجا، إنما كان إنسانا يفتح أمام الآخر إمكانية أخلاقية جديدة. لم يلغ العفو الجريمة، لكنه رفض اختزال الإنسان في خطيئته. وكأن التسامح يقول للمذنب: "أنت فوق السوء الذي فعلته".
المتسامح لا يبرئ الفعل الخاطئ، بل يعترف به بوضوح، ثم يختار أن لا يكون الرد عليه إعادة إنتاج للعنف نفسه
في نقاش مع باحثين غربيين حول المصطلحات والترجمة العربية الدقيقة لها، تنبهت إلى أن القبول (acceptance) يختلف عن التسامح (tolerence) بينما في المجتمعات العربية لا نميز بالضرورة بينهما، بينما تنبه لها المهتمون بالشأن الإنساني والأخلاقي من الغرب، باعتبار أن التسامح ليس دائما بريئا أو تحرريا. فوفق نظرية الهيمنة الاجتماعية التي طورها جيم سيدانيوس وفيليسيا براتو عام 1999، تميل المجتمعات إلى إنتاج تراتبيات قوة تحافظ الجماعات المهيمنة من خلالها على امتيازاتها عبر أفكار أخلاقية وثقافية تجعل اللامساواة تبدو طبيعية أو ضرورية. وهنا يتحول التسامح إلى سؤال سياسي وأخلاقي معا: هل يمارس بحرية، أم يفرض على الضعفاء بوصفه فضيلة مطلوبة منهم وحدهم؟
في كثير من السياقات الاجتماعية يطلب من الضحية أن تتسامح من باب "المسامح كريم" حفاظا على استقرار العائلة أو المجتمع أو السلطة، بينما تبقى البنية الظالمة كما هي. عندئذ يتحول التسامح من فعل أخلاقي حر إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. وهذا ما يجعل التمييز ضروريا بين التسامح الحقيقي والتسامح المفروض اجتماعيا بوصفه شكلا من أشكال التكيف أو الخضوع.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في الأدب ما بعد الاستعماري، كما في "موسم الهجرة إلى الشمال"، حيث تبدو العلاقة بين الشرق والغرب مشبعة بتاريخ طويل من الهيمنة الرمزية والثقافية. فالقوة المهيمنة كثيرا ما تقدم نفسها باعتبارها متسامحة ومتحضرة، بينما تخفي تحت هذا الخطاب بنية عميقة من السيطرة. وهنا يصبح التسامح أحيانا لغة أخلاقية تخفي اختلال القوة الحقيقي.
أما حنة آرنت فقد رأت أن التسامح ضرورة إنسانية لأن البشر كائنات تخطئ باستمرار، ومن دون القدرة على الغفران يصبح الإنسان أسيرا لماضيه. بينما يربط بول ريكور التسامح بإعادة بناء المعنى بعد الجرح؛ فالإنسان لا ينسى الإساءة، لكنه يرفض أن تبقى اللغة الوحيدة التي يفهم بها العالم.
لهذا تبدو المفارقة عميقة؛ فالتسامح قد يكون أرقى أشكال الحرية الأخلاقية، وقد يتحول أيضا إلى أداة أيديولوجية لإبقاء الضحية صامتة.
القوة المهيمنة كثيرا ما تقدم نفسها باعتبارها متسامحة ومتحضرة، بينما تخفي تحت هذا الخطاب بنية عميقة من السيطرة
وربما لهذا بدت كلمات الطبيب النفسي والمناضل فرانز فانون عميقة حين أشار إلى أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل "يستوطن الوعي". فأخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تجعل الإنسان يرى خضوعه الأخلاقي واجبا ساميا حتى في غياب العدالة، سواء في علاقات الدول أو في العلاقات الإنسانية اليومية.
ولعل الطيور في نص روبرت فروست كانت تدرك بغريزتها، أن السماء قد تكتسي بالظلام، لكنها لا تكف عن التحليق. وكذلك الإنسان؛ لا يطالب بأن ينكر العتمة أو يبررها، بل بأن يحافظ على حريته الأخلاقية، فلا يسمح للظلم أن يسلبه إنسانيته، ولا للكراهية أن تحدد أفقه.