منذ عقودٍ طويلة، يعيش لبنان سلسلة تسويات هشة وحروباً تتكرر بين الحين والآخر. لا التسوية تُغلق ملف الحرب نهائياً، ولا الحرب تُفضي إلى حسم شامل للصراع. ولقد اتسمت التجارب اللبنانية السابقة بأنها كانت غالباً إدارة للأزمة أكثر من كونها بحثاً عن حلول. لكن هذه المرة تبدو الصورة مختلفة جذرياً: فالمنطقة كلها انتقلت إلى منطق إنتاج "تسويات نهائية"، ولم يعد ممكناً أن يظل لبنان خارج هذا المسار، ولا أن يكتفي وحده بإدارة الأزمة بدل حلّها.
ويعود ذلك إلى أن التعثر الأكبر في معالجة معضلة لبنان- سلاح "حزب الله"- لم يعد شأناً داخلياً لبنانياً، بل امتدّت ارتداداته إلى محيطه العربي والإقليمي. وباتت قضية السلاح ترتبط اليوم بحدود الدول وأمنها واستقرارها، لا مجرد جدل سياسي داخلي.
فـ"الحزب" بات في خطابه السياسي مؤخراً يربط سلاحه بحماية "الشيعة" في لبنان، أي إنه تجاوز مسألة الصراع مع إسرائيل أو يحضّر لهذا التجاوز في حال توصلت الدولة اللبنانية لاتفاق مع إسرائيل، ما يعني أن "الحزب" مُصرّ على احتفاظه بسلاحه كأداة تأثير على السياسة الداخلية في لبنان بغض النظر عن مصير الصراع اللبناني-الإسرائيلي.
في زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ربط عون مسألة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية بثلاثة شروط من شأنها أن تُسقط المبررات التي يستند إليها "حزب الله" للاحتفاظ بسلاحه. وقد تمثلت هذه الشروط في: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة عبر الجيش على كامل الأراضي، وإطلاق ورشة لإعادة إعمار تقودها الدولة.
ومع أن شَرطَي إنهاء الاحتلال وإطلاق ورشة إعادة الإعمار قد تحققا سابقاً أو جرى العمل عليهما، فإن المعضلة ظلت تتمحور حول الشرط الثاني: بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. فقد بقي هذا الهدف- عملياً- يتطلب خطوات حقيقية تنقل الدولة من وضع تدوير الزوايا إلى فرض سيادتها كاملة، بما يعني إنهاء سنوات من تداخل السلاح غير الشرعي مع بنية الدولة، وإعادة رسم العلاقة بين الأمن والسيادة وفق مقتضيات الدولة ومصلحة لبنان.
وهنا لا بد من القول إنه ومن دون آلية واضحة وعملية تنهي السلاح غير الشرعي، ستبقى التسويات- مهما تتابعت- هشة. أي إنها قد تُوقف القتال مؤقتاً، لكنها لا تضمن نهاية الحرب، ولا تمنع عودة العنف في "اللحظة المناسبة". وهذا النوع من الاستقرار لم يعد مقبولاً لا إقليمياً ولا دولياً، ولا حتى لبنانياً.
في هذه النقطة تحديداً، تتقدم العوامل الخارجية بوصفها محدداً رئيساً لمسار التسوية. فلبنان لا يملك رفاهية تجاهل ما تريده إسرائيل، ولا ما يتصل بأمنها وحدودها. كذلك، فإن الحسابات الإقليمية الكبرى- وخاصة ما يتعلق بإيران- تجعل استمرار سلاح "حزب الله" مسألة مرتبطة بموازين النفوذ لا مجرد قرار سياسي داخلي. ومن دون الدخول في تفاصيل النوايا، تكفي الإشارة إلى أن طهران لا تبدو أنها مستعدة للتخلي عن أوراقها الاستراتيجية قبل أن تتحقق تسوية نهائية تضمن مصالحها، وخصوصاً في ظل غياب اتفاق نهائي يُنهي دعمها للميليشيات.
أما بالنسبة لنتنياهو، فتبدو أولوياته السياسية مرتبطة بالوعود التي قدمها للناخب الإسرائيلي بالأمن، وإنهاء بقاء ميليشيات مسلحة على الحدود يهدد الاستقرار ويجعل من "طوفان الأقصى" أمراً قابلاً لأن يتكرر. من هنا تتعاظم أهمية المقاربة العملية لسلاح "حزب الله"، لأن أي تسوية لا تعالج هذا الملف بالطريقة التي تمس جوهره الأمني ستبقى قابلة للانهيار.
في سياق ذلك، يمكن قراءة الدعوات المتكررة من ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع كي يتولى- بحسب ما يُطرح- معالجة مشكلة سلاح "حزب الله". وقد قوبلت هذه الدعوات بالرفض في دمشق، كما تسرب أن الرئيس عون أكد رفض بلاده لها خلال لقائه ترمب.
لبنان الذي يعاني من أزمات سياسية واقتصادية أمام فرصة تاريخية اليوم، وهو القادر على اتخاذ القرار وتحديد مسار الدولة اللبنانية، وحجر الأساس لاستقراره وعودته إلى الشرعية العربية والدولية يكمن أولاً في سحب سلاح الميليشيا ليتمكن أصدقاؤه من دعمه سياسياً واقتصادياً
مع الأخذ بعين الاعتبار أن النقاش الداخلي في لبنان والذي تناول موضوع دعوة ترمب للشرع بالتدخل، أسقط عن عمد التدخل الذي يمارسه "حزب الله" في سوريا، سواء عبر شبكات التخريب والتهريب التي ما يزال بعضها ناشطا في سوريا، أو عبر تشكيله لخطر على الأمن الداخلي السوري نتيجة وجود السلاح غير الشرعي بيده، فالمسافة التي تفصل راجمات صواريخ وسلاح "حزب الله" الموجود في قرية طفيل في بعلبك الهرمل مثلاً هي بالضبط 30 كيلومترا عن قصر الشعب في سوريا مقر إقامة الرئيس السوري ورمز السيادة السورية، وبالتالي فإن خروج قوات "الحزب" من سوريا لا يعني انتهاء خطره على الداخل السوري، وهذا ما يجب أن تتم مناقشته في لبنان وبين الحكومتين السورية واللبنانية.
كما أن تثبيت هذا الرفض لا يكفي الكلام. فالتعامل مع السلاح غير الشرعي يتطلب برنامجاً عملياً واضحاً، وخطوات قابلة للتطبيق، وجدولاً زمنياً، وترتيبات لا تترك فراغاً تتسلل منه إعادة إنتاج منطق الميليشيا. عندها فقط يصبح الحديث عن "حصر السلاح بيد الدولة" أكثر من عبارة سياسية، ويصبح خطة ومشروعا لتحقيق السيادة والأمن.
وهنا يأتي الدور الحاسم للبنان الرسمي، حكومةً وجيشاً. إذ إن انسحاب إسرائيل وإعادة الإعمار- وإن كانا عنصرين أساسيين- لا يكفيان تلقائياً لبسط سلطة الدولة على كامل الأرض. والمناطق التجريبية مهما توسعت إلا أنها لا تشمل كامل المساحة اللبنانية التي توجد فيها مستودعات السلاح.
لبنان الذي يعاني من أزمات سياسية واقتصادية أمام فرصة تاريخية اليوم، وهو القادر على اتخاذ القرار وتحديد مسار الدولة اللبنانية، وحجر الأساس لاستقراره وعودته إلى الشرعية العربية والدولية يكمن أولاً في سحب سلاح الميليشيا ليتمكن أصدقاؤه من دعمه سياسياً واقتصادياً.
إن التسوية التي ستنتج من هذه المرحلة- إذا استندت إلى آلية تنفيذية جادة- قد تكون تسوية حقيقية، لا مجرد مسكنٍ آني يشتري وقتاً ويمدّد المشكلة، ويسمح بأن يكون لبنان ساحة مجدداً يقرر فيها الآخرون مستقبله. ويبقى السؤال الأساسي: كيف يمكن الوصول إلى تسوية فعلية هذه المرة، لا تسويات هشة تُؤجل الحل لعقود؟