ما بعد واشنطن وطهران

ما بعد واشنطن وطهران

استمع إلى المقال دقيقة

بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، تزداد مساحة النار التي تحاول طهران إشعالها، عبر تطبيق لمبدأ "توزيع الألم" الذي تحدثت عنه قيادات إيران العسكرية والمدنية، ومحاولة هذه القيادات توسيع دائرة الصراع ليتحول إلى صراع إقليمي مفتوح، وهو ما يعتبر الطلقة الأخيرة في ذخيرة إيران العدوانية ضد المنطقة، حيث ترغب في توسيع رقعة النار كلما ازداد الضغط عليها. فمنذ الأيام الأولى، بدا أن القيادة الإيرانية اختارت نقل جزء من المواجهة إلى ساحات أخرى، مستفيدة من شبكة حلفائها ووكلائها المنتشرين في عدد من دول المنطقة.

هذه الحرب لم تبدأ فجأة، بل جاءت بعد سنوات طويلة من العقوبات والاتفاقيات المتعثرة، والحروب بالوكالة، والصراع على النفوذ الإقليمي. وخلال تلك السنوات دفعت دول الشرق الأوسط، قبل غيرها، الكلفة الأكبر سياسياً واقتصادياً وأمنياً. ومن الصعب قراءة ما يجري اليوم بمعزل عن هذا السياق، تماماً كما يصعب تجاهل الدور الذي لعبته الميليشيات المدعومة من إيران في أكثر من ساحة عربية طوال العقود الماضية.

لهذا السبب تحديداً، عارضت معظم الدول العربية اندلاع الحرب منذ بدايتها، وسعت دول الخليج إلى احتواء التصعيد. لم يكن ذلك دفاعاً عن السياسات الإيرانية، بل كان انطلاقاً من قناعة بأن أي مواجهة مفتوحة ستدفع المنطقة بأكملها ثمنها. وقد أثبتت الأشهر الماضية أن هذا التخوف كان في محله، إذ لم تبقِ الحرب نيرانها داخل حدود إيران وإسرائيل، بل امتدت إلى أكثر من دولة عربية، سواء عبر هجمات مباشرة أو من خلال تصعيد نفذته جماعات مرتبطة بطهران.

وخلال الأيام الماضية، برز العراق مجدداً بوصفه إحدى ساحات هذا الصراع. فبعد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت للطاقة داخل المملكة العربية السعودية والتي انطلقت من الأراضي العراقية، جاء الرد عبر غارات أميركية-سعودية استهدفت مواقع تابعة لفصائل مسلحة مرتبطة بـ"الحشد الشعبي". وبغض النظر عن تفاصيل العملية العسكرية، فإن الرسالة السياسية تبدو واضحة: استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار لن يمر من دون رد.

الرسالة السياسية تبدو واضحة: استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار لن يمر من دون رد


وليس هذا التحول جديداً. فمنذ سنوات، عبّرت شخصيات قيادية في الفصائل العراقية الموالية لإيران عن مواقف اعتبرت السعودية خصماً رئيساً يفوق في أولويته إسرائيل. ويستعيد كثيرون اليوم تصريحات نائب رئيس "هيئة الحشد الشعبي" السابق أبو مهدي المهندس، التي عبّر فيها صراحة عن عدائه للمملكة، باعتبارها مؤشراً على طبيعة الأولويات التي حكمت جزءاً من هذا المشروع السياسي والعسكري.

في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع سقف التهديدات تجاه إيران، لكنه يبقي في الوقت نفسه باب التفاوض مفتوحاً. وهذه ليست المرة الأولى التي يعتمد فيها هذه المعادلة؛ إذ درج خلال ولايته على استخدام الضغط العسكري والاقتصادي وسيلة لدفع خصومه نحو اتفاقات بشروط أكثر تشدداً.

لكن التجربة الحالية أظهرت أن الأزمة تتجاوز الملف النووي أو حرية الملاحة في مضيق هرمز. فالمعضلة الأساسية، بالنسبة إلى كثير من دول المنطقة، أصبحت مرتبطة بدور الميليشيات العابرة للحدود، وبقدرتها على فرض أجنداتها على حساب سيادة الدول. وحتى لو نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق جديد، فإن ذلك لن يجيب وحده عن سؤال الاستقرار الإقليمي.

لقد كشفت الحرب هشاشة الدولة الوطنية في أكثر من بلد عربي. ففي العراق، كما في لبنان، لا تزال الحكومات تواجه معضلة احتكار السلاح وفرض سيادتها على كامل أراضيها. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أي إصلاح سياسي أو اقتصادي سيظل محدود الأثر ما لم يُحسم هذا الملف أولا.

واليوم، ومع حلول ذكرى اجتياح نظام صدام حسين للكويت، تعود إلى الأذهان تجربة التحالف الدولي الذي تشكل لتحريرها بمشاركة عربية واسعة. تلك التجربة تطرح سؤالاً مختلفاً في سياق أزمات اليوم: هل تمتلك الدول التي تنازعها الميليشيات سلطتها الجرأة على طلب دعم عربي ودولي لاستعادة سيادتها، إذا عجزت عن تحقيق ذلك بإمكاناتها الذاتية؟

قد تنتهي الحرب الأميركية-الإيرانية باتفاق، وقد تستمر سنوات أخرى، لكن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران. فالمعيار الحقيقي للاستقرار سيبقى قدرة الدول العربية على استعادة احتكارها لقرار الحرب والسلم، وإنهاء زمن الميليشيات الذي طال أكثر مما ينبغي.

font change