في سوريا تاريخ طويل من الإبداع الموسيقي يمتد لآلاف السنين. ففي مدينة أوغاريت، على الساحل السوري، عُثر في خمسينات القرن الماضي على ألواح طينية مسمارية تعود إلى نحو 1400 قبل الميلاد، من بينها ما يُعرف بـ"النشيد الحوري إلى نيكّال"، الذي يُعد أقدم تدوين موسيقي معروف وصل إلينا بصورة شبه مكتملة. هذه "النوتة الموسيقية" التي تحدث عنها الرئيس السوري أحمد الشرع أكثر من مرة، وأهدى نسخة منها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، خلال زيارته إلى واشنطن.
وهي نفسها التي أعاد الموسيقار السوري مالك جندلي إحياءها بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، من خلال عمله "أصداء من أوغاريت"، لتصبح أحد أبرز أعماله المرتبطة بالتراث الحضاري السوري.
عاد الفنان العالمي مالك جندلي- الذي دعم السوريين وساند الثورة السورية منذ لحظاتها الأولى- إلى سوريا، وأراد أن يحيي حفلاً جماهيرياً في مدينته حمص، إلا أن الحفل أُلغي من قبل محافظ حمص آنذاك، رغم حصوله على ترخيص من وزارة الثقافة. قيل يومها إن الأسباب أمنية، لكن محبي مالك وجمهوره لم يقتنعوا. وما بقي في ذاكرة السوريين حتى اليوم هو أن حفل جندلي أُلغي، وهو ما يرفضون أن يتكرر.
اليوم، وبعد أكثر من 15 عاماً على آخر حفل رسمي لها في سوريا، تستعد الفنانة السورية أصالة نصري للعودة إلى دمشق، في حدث يتجاوز، في رمزيته، مجرد عودة فنانة إلى مسرحها الأول.
فقد فاجأت أصالة السوريين، قبيل عودتها، بإطلاق "الألبوم السوري"، الذي يضم 14 أغنية مستوحاة من التراث الموسيقي لمختلف المحافظات السورية، في محاولة لتقديم صورة فنية عن التنوع الثقافي والجغرافي للبلاد. اختارت لكل محافظة لوناً وتراثاً وشخصية، ليبدو الألبوم أقرب إلى رسالة حب موسيقية إلى سوريا بكل مناطقها وتنوعها.
وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع الاستعداد لحفلين في صالة الفيحاء بدمشق يومي 17 و19 سبتمبر/أيلول، برعاية وزارة الثقافة ونقابة الفنانين. وتحمل عودة أصالة دلالة إضافية، فهي الفنانة التي أعلنت منذ السنوات الأولى للثورة السورية موقفاً واضحاً إلى جانب السوريين، ودفعها ذلك إلى الغياب عن بلدها والتعرض لحملات إعلامية شرسة من إعلام النظام السابق. ووصل الأمر إلى محاولة توقيفها يوماً في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، في وقت كانت فيه قبضة "حزب الله"، حليف بشار الأسد، حديدية على لبنان.
رغم نفاد التذاكر خلال وقت قصير، فإن عودة أصالة لم تخلُ من محاولات لإثارة الجدل والتحريض عليها
ورغم الحماس الشعبي الكبير للترحيب بفنانة كانت من القلة الذين لم يأخذوا بالحسبان ميزان الربح والخسارة، واتخذت موقفاً واضحاً وجريئاً بالوقوف مع الناس في مواجهة آلة القمع والقتل والانحياز الكامل إلى الثورة السورية، ورغم نفاد تذاكر الحفلين خلال وقت قصير، فإن عودة أصالة لم تخلُ من محاولات لإثارة الجدل والتحريض عليها.
فقد انتشرت بيانات وملصقات في بعض أحياء دمشق تدعو إلى إلغاء الحفلين، وتتهم إقامة الحفلات بالتعارض مع ما وصفته بـ"القيم الدينية والاجتماعية"، في مشهد يعيد طرح سؤال أوسع حول شكل سوريا الجديدة، وحدود الوصاية على الفن والحياة العامة والخاصة للسوريين.
من هنا، تبدو عودة أصالة اختباراً مبكراً لفكرة سوريا التي تتسع لجميع أبنائها؛ سوريا التي لا يُقاس فيها الانتماء بدرجة الالتزام بصورة اجتماعية أو أيديولوجية واحدة، ولا تتحول فيها الاختلافات الفنية والشخصية إلى مبرر للإقصاء والتحريض.
هذه الحقيقة تمنح الحديث عن التراث السوري معنى يتجاوز الأغنية أو الحفل. فسوريا ليست بلداً طارئاً على الموسيقى والثقافة والفن، بل أرض شهدت واحدة من أقدم محاولات الإنسان لتدوين اللحن نفسه. ومن أوغاريت إلى الموسيقى الشعبية في حلب ودمشق والساحل والجزيرة والبادية، يبدو التنوع الموسيقي السوري جزءاً من هوية ثقافية متراكمة عبر آلاف السنين.
ولعل عودة أصالة، بألبومها الذي يستلهم تراث المحافظات السورية، تأتي اليوم في سياق استعادة هذا التنوع وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، بدلاً من اختزاله في صورة واحدة أو إخضاعه لمعايير أيديولوجية أو اجتماعية ضيقة.
وفي هذا السياق تحديداً، تبدو عودة أصالة أكثر من مجرد حفل فني. فهي فنانة سورية اختارت، في لحظة مفصلية من تاريخ بلادها، أن تقف إلى جانب شعبها، وغادرت سوريا وهي تعرف أن موقفها سيكلفها سنوات من الغياب. واليوم، تعود إليها بألبوم يستعيد أصوات محافظاتها وتراثها المتنوع، لتقول، بالموسيقى، إن سوريا التي تنتمي إليها ليست حكراً على أحد.
لذلك فإن حملات التحريض ضدها لا تبدو استهدافاً لفنانة فحسب، بل محاولة لإعادة رسم حدود الانتماء: من يحق له أن يعود، ومن يحق له أن يغني، ومن يحق له أن يحتفل في بلده.
لكن هذا النوع من الإقصاء لن ينجح. فتاريخ سوريا، من أوغاريت إلى حلب ودمشق والساحل والجزيرة والبادية، هو تاريخ تنوع لا يستطيع طرف واحد أن يحتكره أو يختصره في صورة واحدة. أصالة تعود إلى سوريا لأنها ابنة هذه البلاد، كما عاد سوريون كثر بعد حرمانهم منها لسنوات طويلة. والعودة حق لكل سوري، مهما اختلفت آراؤه أو خلفيته أو مدينته؛ فكل هؤلاء جزء من سوريا.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست حول حفل أصالة، بل حول أي سوريا نريد: سوريا تتسع لجميع أبنائها، أم سوريا يحاول فيها تيار حزبي أيديولوجي أن يفرض رؤيته على مجتمع كامل؟
والتاريخ يقول إن سوريا كانت دائماً أكبر من أن يستطيع أي حزب أو جماعة أو تيار أن يجبرها على التلون بلونه أو لون رايته. لقد جرّب "البعث" ذلك لسبعة عقود، وجُرّبت مشاريع قومية وأيديولوجية أخرى، وفشلت جميعها في اختزال سوريا في لون واحد. بقيت سوريا كما هي: دولة لا تشبه إلا نفسها، ومجتمعاً يموج بالتعدد والاختلاف، من أقصى الليبرالية إلى أقصى المحافظة، ويحتفي بالأصالة والتنوع.
فكيف إذا كانت العائدة ابنتها، بعد غياب؟
اليوم، السلطة أمام اختبار حقيقي، وخصوصاً مع تكرار مقولة "لقد رُفعت العقوبات، فلماذا الانفتاح؟" على لسان شخصيات محسوبة عليها. فهل سوريا دولة المواطنة التي تحدث عنها الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة، أم إن تياراً داخل السلطة يريدها دولة له ولـ"جماعته" فقط؟
لقد رتّب الشرع أولويات حكمه بذكاء وحنكة، لكن يبدو أن حسم هذه المسألة لم يعد يحتمل التأجيل: هل الدولة الجديدة قادرة على حماية حق السوريين في الاختلاف، أم ستسمح لمن يملك خطاباً أيديولوجياً أو دينياً بأن يتحول إلى وصي على المجتمع؟
وهناك سؤال آخر لا ينبغي أن يغيب: من هم هؤلاء المحرّضون، وأين يقفون من العنف الذي يدّعون رفضه، فيما وصل الأمر بأحدهم إلى التغني بالتفجيرات الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول؟ وما دوافعهم للتحريض على العنف في سوريا؟
فمنشوراتهم وتحركاتهم لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد "حرية رأي" عندما تتحول إلى تحريض على الإقصاء أو العنف. حرية الرأي حق، لكنها لا تعني منح أي جماعة حق فرض وصايتها على مجتمع كامل، ولا حق تحديد من يحق له أن يعود إلى بلده، أو أن يغني فيه، أو أن يحتفل على مسارحه.
وربما يكون حفل أصالة هو الاختبار الأبسط والأوضح لسوريا الجديدة: هل تستطيع أن تستعيد أبناءها جميعاً، وتحتفي بتنوعها كله، أم ستبدأ من جديد بمحاولة تشكيل سوريا على صورة واحدة؟
سوريا التي كتبت أولى نوتاتها الموسيقية قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، لن تحتاج اليوم إلى من يعلّمها كيف تكون سوريا.