تحلّ اليوم الذكرى الأولى لرحيل زياد الرحباني، صديقنا المبدع، العبقري، قرّة عين فيروز، الذي كان يحيا قريباً منا، بيننا. وآنس عيشنا بإبداعه. الفقير مثلنا، نحن الذين نحب فنّه والتزامه ونبله. نحب موسيقاه وكلمات الأغاني والتوزيع الموسيقي ومزج السخرية بالمرارة بالنقد اللاذع في الفكرة الطربية الجديدة. رسم الضحكة العميقة الحرّة الخفيفة على الشفاه. وكان فنّه عن المهمشين المطحونين والسجن والحرب والمهانة ولطف الحياة. تجربته الإبداعية هي صراع الإبداع مع بشاعة الظّلمِ من أجل إنصاف الجَمال.
هذا إذا اكتفينا في سطور قليلة بالمرور على هذا الصّرح الموسيقي، وألقينا من بعيد السلام على مسرحياته كواحد من رموز الموجة الجديدة في المسرح الغنائي العربي، سمات مبهرة في الأصالة والتجديد. كان يشتغل في المسافة الخطيرة بين المواطن والواقع والحلم الذي يبتعد. المسرح بالنسبة إليه مرآة الموسيقى والغناء ومرآة حياة الناس. يُقال فيه ما لا يقال، فيطفر الضحك كموقف نقدي من الصراعات والمفارقات بين ما يقال وما لا يُقال. تقرّبت اللغة العاميّة في مسرحه من الناس وقرّبت إلى مسرحه الناس.
"نزل السرور"، و"فيلم أميركي طويل"، و"شي فاشل"، و"لولا فسحة الأمل". سبرَ فيها أزمات مجتمعه، الفوارق الطبقية والطائفية، والحرب الأهلية في لبنان والناس المهمشة المنهكة. هذه الحكايات كانت حكايات مجتمعاتنا.
وكانت بساطة التمثيل والشخصيات التي انتقاها للتمثيل، كأنما في مواجهة النخب التقليدية، كأنها بنات الجيران وأولاد الحارة، تمنحُ جرأة الكشف بعداً حارّا دافئاً، يُضحكنا ويُبكينا. وكانت لمعة الذكاء تنصف الشخصيات العادية في الأغاني والمسرح، بطلات وأبطال زياد.
ورغم أنه كان يظهر في وسائل الإعلام يحاور ويدلي بمقابلاته وآرائه السياسية حول اللحظة المعاشة وينخرط في الحدث السياسي، ورغم الاختلاف معه في مواقف السياسة، فإنه بقي قريبا.
تختلف معه ويختلف معك في الرأي وتحفظ له مكانته الإبداعية العبقرية وتشعر أنك لا تستطيع الخصام معه
كانت حصيلة إبداعه تجعل الاختلاف جزءا من الانكسار العام. تختلف معه ويختلف معك في الرأي، وتحفظ له مكانته الإبداعية العبقرية، وتشعر أنك لا تستطيع الخصام معه. إنه زياد.
تناقض في مواقفه حدّ مديح بشار الأسد، أو موقف الحياد الإيجابي معه، وهو الذي سخر سابقا في عمله الإذاعي "بعدنا طيبين.. قولوا الله" من حافظ الأسد: "اختلط الحابل بالنابل، حافظ غيّر فكرو وصار، جيشو عا جونيّه نازل".
بنى لنا صرحاً من اللطف والجَمال والالتزام بقضايا الناس، لم يغترب عنهم، عاش بينهم، وكان فنّه لهم. عذاب الحبّ والفراق والاكتئاب والإنسان المهزوم، السخرية من الهجر، من ذكورية الرجل الشرقي: "عايشة وحدا بلاكْ، وبلا حبّك يا ولد". موسيقاه حامل جمالي للكلام اليومي العادي. فيها نبرة الهامش التي تصيبنا بالتعب والحلم.
في أغنياته لحن بسيط كأننا نعرفه رغم أننا نسمعه للمرة الأولى، لحن الجرح الذي شفّ ورقّ وصار أغنية. كانت مدرسته الموسيقية الغنائية بالإضافة إلى قرابتها مع الرحابنة، تشي بقرابة مع سيّد درويش كما ذكر المختصون.
وكان أقنع فيروز أن تغني ألحان سيد درويش، ولحّنَ هو "شو هالأيام" هذه التحية لسيد درويش، ليست في الكلمات فقط، بل في اللحن المتقطع كالموج "الحلوة دي، الحلوة دي، تعجن في الفجرية" الذي يصل بحر الإسكندرية ببحر بيروت. لحن حارّ، يفيض في القلب، ويفيض القلب.
كلّ ما في هذه الموهبة كان من أجل حكايات الناس المتعبة. من أجل "سألوني الناس عنك يا حبيبي".
الصّدق والعلاقة مع الناس وعدم تطلّعه إلى الأماكن التي يتطلع إليها النجوم، البهرجة التي يحتلها النجوم، حجز زياد مكانة حقيقية متقشفة بين الناس.
لم ينسَ الضابط والرتب العسكرية المخيفة على كتف الضابط: "من الأفضل إنك تحتشمي، فيه ضابط مدري بكم نجمة، قاعد عالطاولة هونيك، أخدوا اِسمك أخدوا اِسمي".
عزيزي زياد، شو هالأيام! هنالك برامج كثيرة تذكّر الناس بما حصل خلال أسبوع من أحداث كبيرة وصغيرة قد تهمّ الناس، لها ارتجاعاتها وارتجاجاتها وأثرها على الحياة. سأحاول في هذه السطور أن أذكر لك بعض ما حدث خلال هذا العام في غيابكَ.
لن أذكر لك أسماء البلدات التي دمرتها الحرب الجديدة، واستشهاد البيوت والشباب والعيش بكرامة وقصص الحياة
ليس دخول إسرائيل إلى الجنوب فقط، واحتلال الكثير من القرى الجنوبية، واهتزاز لبنان لهذه الضربات الموجعة التي دمرت نسيجه المدني المعيشي الجنوبي، وتدخل "حزب الله" وإيران الدائم الذي نختلف عليه، وعدم إتاحة كل ذلك الفرصة للبنان بالتنفس قيد أغنية. لبنان موجوع أكثر من أي وقت مضى. ولن أذكر لك أسماء البلدات التي دمرتها الحرب الجديدة، واستشهاد البيوت والشباب والعيش بكرامة وقصص الحياة.
ما الفائدة من تحريك المواجع فوق المواجع. وجع كل يوم، ولا مكان للنسيان.
عزيزي زياد، كان حدثاً كبيراً رحيلكَ. السلام على روحك "صباح ومسا".