في تاريخ الإنسانية لحظات تنتمي إلى الضمير الإنساني، تبقى في أمانة هذا الضمير، تشق طريقها دائما كما الماء في الصخر، تتجذر كإرث أخلاقي، كطبيعة إنسانية تحاكي جمال الطبيعة ذاتها وما يعتمل هنا وهناك من عنف وصراع وقسوة في سبيل روعة البقاء. لحظات تتحرر فيها اللغة والمعاني والدلالات، وتنعتق شجاعة الفرد الذي ينهض من الهامش ويذوب في الرمز.
هي القواسم المشتركة في الثورات والانتفاضات وحركات التحرر، والأقرب إلينا منها والأجمل بينها في العقل والروح، هي الثورة الفرنسية، التي عجل قيامتها كمعظم الثورات، الضيق الاجتماعي والصراع الطبقي والاقتصادي والسياسي الخانق. ليس المثقفون والأدباء والفلاسفة فقط من حملها إلى النور، بل شرائح واسعة من الشعب والفلاحين والمهنيين والبورجوازية الوليدة آنذاك.
سنوات من الصراع والفوضى وأكل الكيك وقطع الرؤوس، سنوات كادت تودي بها، قبل الوصول إلى إرساء هذا الإرث الإنساني. لكنها في النهاية استطاعت إلغاء النظام الإقطاعي، وهدم صنم السلطة المطلقة وتأسيس إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ومبدأ سيادة الشعب، أقامت أول جمهورية في فرنسا، ورسخت شعارها الرمز "حرية – مساواة - إخاء". إرث يسري في شرايين كل ثورة لاحقة، تلتفت إليه كل حركة من حركات التحرر، وترفده ببصمتها. أشعر أن هذا الزخم كان يسري في دماء الثورة السورية الوليدة في 2011 بنت تاريخ هذه الثورات الإنسانية وبنت تاريخها هي أيضا بدورها. قصة شعب يريد أن يتحرر.
وتبقى الأماني على طريق التحرر خلابة وغالية، أن لا تضطر الشعوب التي قاومت الأصنام القديمة إلى السجود أمام أصنام حديثة. طالما هناك إرث أخلاقي هو مسار العدالة الذي يحاول أن ينأى عن غواية كل سلطة بطش جديدة وعن إغواء وهم الانتصار.
كانت الثورة السورية السلمية الوليدة في مسارها الحديث ضد الطاغية، تحرص على المساواة، وتخشى وتتنبه من خطر الانحراف عن طريق العدالة. وكانت تتقصى وتدفع كل الأثمان من أجل ذلك.
وفي لحظة كأنما تبلورت، صارت حقيقة، وصار لها وقتها والموت والسجون والمعتقلون، صار لها رموزها والضحايا والبلدات والمدن المنتفضة، صار لها شوارعها وأيقونات وأمهات وأبطال وشعارات كما كل الثورات، ووثائق وأغنيات وهتافات كأنها تريد أن تكتمل فتتحرر.
وهناك وفي عمق ضمير الثورة، كانت خشية من النسيان، ووصل صوت "المعتقل الذي لا يعرفه أحد" إلى الشارع. هذا الصوت كان مجرى الماء في الصخر، صوت العطش إلى العدالة، أربعة وخمسون عاما من العطش، وكان الوقت كأنه فجر الحياة. الخسارات كانت تدمي أرض الواقع، والنسيان يجرح الذاكرة، وسرت تلك الخشية الخفيفة العميقة واستقرت في ذلك الفجر الجديد الذي ينتظر. خشية أن لا يكون السلوك العام منصفا، دللت الثورة حريتها وكانت لا تريدها انتصارا أو هزيمة. أرادت لحريتها الحرية بعينها.
يتجلى الجمال في لحظات الحرية ويمنح الوجود اللطف والثقة والقوة. كانت انتفاضة السوريين تمني النفس بعدم إعادة إنتاج ثقافة الاستبداد تحت أي ضغط أو ظرف كان. وفي العمق كان هناك من يحرص على هذا الإنصاف. ذات يوم كتبت لي في عمق الليل محامية سورية كانت ترافع عن المعتقلين في محاكم الأسد، لم تكن تعلن ذلك قط، ولم تعلن إلى الآن عن ذلك قط، ومثلها كثر: "من الإنصاف أن نساوي بين قصص الناس، المعتقلين والمنفيين والمهجرين والقتلى والأحياء، من أجل حلم المساواة والمواطنة. المعتقل الذي لا نعرفه هو أيضا بطلنا، ويحتاج من يدافع عن اسمه لعله ينجو فننجو من النسيان".
كنا كل يوم نقتل ألف مرة وكانت السجون في تلك الفترة والمقابر تمتلئ بأهل البلد
حتى التعددية كانت قد تقلصت في لحظة عصية خانقة بتنا نحتاج فيها إلى النصر السريع والخلاص السريع، وكنا كل يوم نقتل ألف مرة. وكانت السجون في تلك الفترة والمقابر تمتلئ بأهل البلد. الصبايا والشباب الشعراء والكتاب والفنانين والمهندسين والأطباء والطلاب، كل يوم تمتلئ من جديد بشباب سوريا وكان يقع على عاتق من لا يزال خارج هذا الصمت أن يبحث عن الأسماء كلها، كي ينصف الحكايات كلها. سرى هذا النداء في الشارع، صار نفس الشارع، وكانت أصوات كثيرة تقرع جرس الإنذار هذا.
أهو المعنى العميق للرمز. صوت الذين لا صوت لهم. أكان هتاف "واحد واحد واحد" هو "المساواة" بلغة الثورة السورية.
قدمت الثورة الفرنسية ثلاثيتها البديعة، وقدمنا على هذا الطريق كل ما استطعنا من شجاعة وأفراح وغناء وهتافات وفنون وشعر وفكر، كي تحط في شوارعنا هذه الثلاثية. ودعوناها إلى شوارعنا. رفع السوريون لافتات كثيرة اختلط فيها حبر اللغة بحبر اللغة: "قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد لأن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عنه".