يحط قطار السينما الفلسطينية التي صنعها فلسطينيون في جناحها في مهرجان "كان" السينمائي وفي سوق الفيلم في المهرجان، قادما من مهرجانات وعروض عالمية أخرى، مكملا سفره إلى بلاد أخرى.
وكان قطار السينما انطلق في رحلته الأولى في فلسطين كما تقول الحكاية في 1896 مع كاميرا الأخوين لوميير، عبر مشاهد قصيرة صورت للمرة الأولى حشدا من الناس في القدس في فيلم أطلقوا عليه عنوان "المدينة المقدسة". كانت فلسطين حينذاك وكما يدل عليه هندام الناس في الفيلم تحت الحكم العثماني. وقد جاء "الأخوين لوميير" إلى فلسطين بعد ست سنوات من بدء الحركة الصهيونية عملها في فلسطين، وبدأت تلك السينما ككيان منفصل عن الفلسطينيين.
يذكر الباحث والمخرج جورج خليفي في كتابه "السينما الفلسطينية: المشهدية، الصدمة والذاكرة"، كيف شكلت فلسطين عامل جذب واستقطاب كبيرين بالنسبة لصانعي الأفلام الغربيين في مطلع العشرينات الذين أخذ قسم منهم على عاتقه تصوير الحدث الرئيس وهو المستوطنات اليهودية التي كانت بدأت مشروعها هناك. وكيف تطورت السينما الفلسطينية من بنائها التسجيلي الأول إلى الشكل المعاصر التسجيلي والروائي الذي يحاول قراءة هذا التاريخ العسير ويبحث في الذاكرة والهوية.
منع الفلسطينيون كما ذكر ادوارد سعيد أن يحكوا حكايتهم. فكانت السينما بمثابة مكان يمكنهم من تحقيق هذا الحق. وكل التضييق في الماضي والآن على السينما الفلسطينية، والوثيقة والإبداع والحياة الفلسطينية، كي لا يستطيع الفلسطيني امتلاك الكلام أو المسافة، كي يبقى هناك من يحكي عنه حكايته، أو من يحكي حكاية موازية لحكايته في زمن حكايته، من يعتدي على الزمن، كي تختفي الحكاية وتختفي معها لغته ووجوده .
في العقد الثالث من القرن العشرين وما تلاه من زمن بدأ الوضع يتغير وصار الفلسطينيون يصورون ويوثقون ويحكون قصتهم. وفي هذه المسافة بين الواقع والزمن الإبداعي والإنساني المشترك، المسافة الضرورة التي تتسع الجميع وتحتاج الجميع، دخلت الممثلة الأميركية الشهيرة سوزان ساراندون لتروي الحكاية، تدافع عنها، أعلنت تضامنها مع فلسطين ومعارضتها الحرب على غزة، شاركت في التظاهرات الاحتجاجية الكبرى لدعم قضية فلسطين متلفحة الكوفية الفلسطينية، واستخدمت منصاتها الرقمية لكسر الحصار الإعلامي على غزة محذرة من خطر مواصلة إسرائيل الاستيلاء على الأراضي في قطاع غزة دون أي مساءلة فيما لو أغفلت أهمية كسر هذا الحصار.
وكل التضييق في الماضي والآن على السينما الفلسطينية، والوثيقة والإبداع والحياة الفلسطينية، كي لا يستطيع الفلسطيني امتلاك الكلام أو المسافة
وصرحت في فبراير/ شباط من العام الحالي " لقد أصبح من العسير أن أظهر حتى على شاشات التلفزة". وضعت على القائمة السوداء، وانسحب وكيل أعمالها الهوليوودي، ولم تستطع إيجاد بديل له بسبب مقاطعة الشركات السينمائية لها. لكن ملصق مهرجان "كان" هذا العام هو ملصق فيلم "ثيلما ولويز" أحد أشهر أفلامها الذي أخرجه ريدلي سكوت عام 1992 ولعبت هي بطولته.
في هذه المسافة أيضا التي اقترحها المفكر والناقد والمؤرخ أدوارد سعيد، دخل على الحكاية كأحد رواتها الممثل الإسباني الشهير خافير باردييم معتبرا أن النكبة لم تنته وأنها تتجلى اليوم في غزة على شكل إبادة جماعية وفي الضفة الغربية على شكل تطهير عرقي وفصل عنصري.
فانيسا ريدغريف، الممثلة البريطانية الشهيرة، كانت استقلت القطار لتقطع فيه المسافة بين التفكير والوعي والعاطفة والفعل، وقفت ضد حرب فييتنام ، تظاهرت أوائل السبعينات في لندن مع برتراند راسل من أجل وقف تصنيع القنابل النووية وضد المشروع الصهيوني، وكان جل نضالها لدعم القضية الفلسطينية. ومثل ساراندون تعرضت لمضايقات وتهديدات اللوبي الصهيوني بعد أن فازت بأوسكار أفضل ممثلة عن الدور الثاني في فيلم "جوليا" 1977 إخراج فريد زنيمان، القصة الواقعية التي كتبتها ليليان هيرمان. كانت جوليا مستعدة لدفع حياتها ثمنا للتخلص من الفاشية في ألمانيا. لذلك تعاطفت فانيسا رودغريف مع الشخصية التي تتقاطع معها كثيرا في سيرة حياتها. ولم تخف هذا التعاطف فقد صرحت أثناء استلامها الجائزة في حفل الأوسكار بأن "على اليهود أن يخجلوا من الصهاينة الذين يتظاهرون ضدي الآن في الخارج"، وأكدت فيما بعد: " كان علي أن أقول ما علي أن أقوله ضد الصهيونية، ما النجومية إن لم تقف مع الملايين الذين تسلب حقوقهم".
استقلت السينما الفلسطينية قطار السينما حين استطاعت، استقلته من المنافي ومن أرض فلسطين. ميشيل خليفي وإيليا سليمان ورشيد مشهراوي وكثر غيرهم من أبناء ذلك الجيل، والآن مع محمد شريف وباسل عدرة وحمدان بلال وشيرين دعيبس وغيرهم، الأفلام التي يطرحونها من تلك المسافة العصية بين الحياة والموت كل لحظة، سينما تحت النار. أفلام مثل، لا "أرض أخرى"، و"أطباء تحت النار"، و"اللي باقي منك"، "ووقائع زمن الحصار"
كان علي أن أقول ما علي أن أقوله ضد الصهيونية، ما النجومية إن لم تقف مع الملايين الذين تسلب حقوقهم
تكتسب الحكاية في هذه السينما بعدا اسطوريا يهدهد هذا السفر الطويل. كيف يمتلك الزمن رفاه المسافة وهو يطوي نهاره الدامي في ليله الدامي. إنما هو البعد المشتهى ألا يبقى المرء ملتصقا بأوجاعه. يبتعد عنها، يكتشف المسافة ويكتشف في هذه المسافة الأخرى الحقيقة الأخرى ربما! الحلم والجمال والانعتاق.