الرسائل

الرسائل

استمع إلى المقال دقيقة

أقرأ ما يكتب على جدران الفضاء الأزرق في "فيسبوك"، رسائل الصديق إلى الصديق، رسائل في الصداقة، يوجهها كتاب وكاتبات ومبدعون لبنانيون إلى بعضهم البعض، إلينا. لا وقت للانتظار. نار الحقيقة تشتعل في كلمة. وأقرأ قصائد ينشرها شعراؤها مباشرة طازجة تخرج من القلب، قصيدة يرسلها شاعر من قلب بيروت إلى صديق له في البعيد، يحكي له عما آلت إليه بلدتهم. حكاية الحرب وأهل البلاد والمعتدون جميعهم والمرتزقة وتاريخ المحبة. الحكاية التي لا نسمعها ولن نصدقها إن سمعناها في نشرات الأخبار.

" كانت لنا حياة لكنها الآن بلا أثر

كان لنا بيت لم نسمه وخرجنا منه بلا اسم

الذكريات لا كلمات لها فقط رسوم ومجرد شطوب وأحيانا رائحة بارود

هذه صفحة ملائمة للحقيقة التي تستمر خرساء

إن كان هناك باب بعد، عودوا بدون أن تدري الجدران ...".

يكتب الصديق عباس بيضون قصائد لأصدقائه، قصائد عمن يرحل تحت القصف وفي النزوح ولأصدقائه في البعيد.

وتطوف قلوبنا بالمحبة والاعتراف والأسى.

تتنفس القصيدة هواءها، بعيدا عن المعلقين السياسيين وانحيازهم والانتصارات السياسية والصراع على السلطة والمال والقوة والانتهاكات ودروب الكراهية. يعود الشعر مرة أخرى ليشهد.

كل هذا الصمت في الشعر كي يجد العائدون مكان الباب في غفلة عن الجدران، كي تعود الحقيقة وتنقذ ما تبقى. تستقبل العائدين وتودع الراحلين وتفتح العمر من جديد على الشفق الساكت.

الحقيقة، الصداقة، اللغة. تعود اللغة لتكون بيت الإنسان الذي هجر منه وترحل وتهدم. بيت الصداقة اللغة.

تتحول جدران الفضاء الأزرق التي كنت أشتمها منذ أيام إلى أوراق بردي أو أوراق السكائر التي كتب عليها السجناء في البلاد العربية قصائدهم، تتحول إلى أي شيء، أي كائن، أي إشارة تستطيع أن تخفف الألم.

يدعو الصديق صديقه إلى اللقاء في مقهى في شارع الحمراء متى توقف القصف لثانية. يدعوه في الثانية. ارتبطت بيروت عندي بأسماء صارت عناوين. منهم من كان ومنهم من بقي. عناوين صديقة. عناوين في زحمة العناوين في المدينة، ولكل عناوينه.

كنت كلما سافرت إلى بيروت أحط رحالي أولا في شارع الحمرا، وأرى دائما وبالمصادفة، بول شاوول يقطع الشارع ويبتسم كأننا على موعد. وعباس بيضون من الرنة الأولى للهاتف يفتح بابه. إلياس خوري يضحك وتضحك معه شجاعته. ورياض الريس ناشري آنذاك، يحملني هدايا من نفائس الكتب. روايات هدى بركات وكتاب وكاتبات العالم العربي في المكتبة. في سنوت الثورة السورية ومحنتنا مع النظام وحلفائه طاف لبنان باللاجئين السوريين والدعم والمحبة.

كيف تستطيع هذه الرسائل والقصائد كلها هنا وهناك أن تحول دون أن يصير القاتل قاتلا والقتيل قتيلا

لن تخمد نار هذه الحياة. شكرا لكل من يضرمها كلما حاول كل من يحاول إخمادها.

لعل الصداقة من أعمق ما اختاره الإنسان من صلة انتماء، الانتماء إلى الصداقة. لا نملكها، نتقاسم إشاراتها ونفرح.     

لم يجف بعد، دم الشعر في غزة، ورسائل الشاعرات والشعراء إلى الكون الصديق. الكلمة في وجه الإبادة.

ماذا يريد القاتل من القتيل بعد أن يقتله. وكيف تستطيع هذه الرسائل والقصائد كلها هنا وهناك أن تحول دون أن يصير القاتل قاتلا والقتيل قتيلا. إنما تمنحهم فرصة الإصغاء إلى الحياة.   

في غضون الربيع العربي وزخم كل ما تجلى من جمال وحرية وعنف وعدم، لا تزال تلك الشجاعات معلقة في تاريخنا، أمانة في أعناقنا لا تحجبها الحجب. وقد تبادلنا أيام هذا الربيع على هذا الفضاء الأزرق.       

كنت أشتم هذا الفضاء، في فضاء الشتائم المعمم. يجن الناس إن هم انغلقوا، أو يتغيرون، أو تذبل أرواحهم ربما!

كنت أشتم كل هذا الخراب الأخلاقي، مطحنة الكراهية والكذب والعنف، وأشتم وجود صداقة الناطق العسكري الإسرائيلي بين الصداقات، قبل أن تهب رسائل الأصدقاء في بيروت من بيروت والقصائد.   

كيف استطاع هذا الشاب مارك زوكربيرغ  الطالب آنذاك في جامعة هارفارد مع مجموعة أصدقائه الشباب، التقاط الكلمة المفتاح: الصداقة، للدخول إلى هذا التجمع الافتراضي العملاق الذي يتجاور فيه الجميع في خانة الصداقة. ثم كيف استطاع تجريد جوهر الفكرة. يتضخم هذا الاستثمار ويتعملق، وكلما انهار الواقع في الحروب والكوارث يزدهر. استطاع اختراق الرقابة. ثم اختار من الرقابة ما لا يقف في وجه سلطة المال التي جهرت بانحيازها. فسقط اسم "غزة" من خانة الصديق طيلة فترة الإبادة.

تدعو هذه الرسائل والقصائد الإنسان إلى الاحتفاء بالصداقة. يرتبط سؤال الفلسفة عند الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بلغز الصداقة، حين يقول: "الصداقة، ليست إيماءة شخص ما، تواضع شخص ما، هي نوع من السحر يمتد إلى الحياة، إلى جذور الحياة الحيوية، بهذه الطريقة يصبح شخص ما صديقا لآخر. يصدر شخص إيماءة أو عبارة تظهر قدرا من الرهافة بحيث تقول على الفور، هذا الشخص يخصني، ليس بمعنى الملكية، نحن نلتقي ونختلف. من تلك النقطة تولد الصداقة، عتبة، بفضلها يستطيع الكائن البشري أن يقيم علاقة معاملة بالمثل وأن يفعل على أكمل وجه معنى كلمة  بشري".

روح المنزل الساكت في الدمار أبقى من كل هذا الدمار، وأبقى من الحرب وأبقى من السلام

أنت تدخل هذا العالم الافتراضي وحيدا وفي غضون أيام يصبح لديك آلاف الأصدقاء والأصدقاء الأعداء، يتبادلون معك إن شئت الابتسامات الافتراضية والدموع الافتراضية والقلوب الافتراضية والحروب الافتراضية والعنف. يجتاح الافتراضي الحياة في جوانب كثيرة كأنما توطئة لاجتياح آخر قادم بديل.

أدخل صفحات الأصدقاء كل يوم وأبحث عنهم، أقرأ رسائلهم الجديدة، قصائدهم الجديدة، وأرى أن روح المنزل الساكت في الدمار أبقى من كل هذا الدمار، وأبقى من الحرب وأبقى من السلام.

font change

مقالات ذات صلة