تكاد الدراسة الشهيرة "غرفة تخص المرء وحده" التي قدمتها الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف في جامعة كمبريدج ونشرتها عام 1929، توازي أو تفوق أحيانا روايات الكاتبة، حتى صارت أشبه بفصل آخر من فصول سيرتها الذاتية. دراسة ضمنتها بحثها عن الحقيقة، وعن ألف باء المساواة مع الرجل.
وثقت وولف وهي تبحث عن هذه الحقيقة، حقيقة عدم قدرة المرأة في الكثير من الأحيان على الوصول إلى الأرشيف أو الوثائق لأنها امرأة. سبرت المجتمع اللندني بأسلوب نقدي لاذع ، وكانت على دراية عالية وقرب من الحركات الأدبية والفنية وعلى مقربة شخصية من الكثير من المبدعين في عصرها. اعتبر البعض هذه الدراسة مانيفستو الحركة النقدية النسوية في القرن العشرين، حين استخلصت أن المساواة تعني فعليا أيضا ضرورة أن يكون للمرء غرفته الخاصة، ثم خصت المرأة في هذا البحث، مكان خاص للكتابة والتأمل ومبلغ من المال فنحن لا نستطيع أن نحب ونحلم ونكتب إذا كنا ننام جائعين. ولا تزال من رواد الفكر الإنساني في اللحظة الراهنة التي يفتقر فيها الكثير من سكان الأرض للمكان ولقمة العيش والأمان في الكثير من الدول التي تنهبها الحروب.
عاشت وولف في بيت وفر لها تلك الغرفة الخاصة، والعمق الاجتماعي، والدها كان ناشرا وكاتبا وأمها فنانة. كانت منذ طفولتها تعبر عن ذاتها بحرية عبر جريدة الأسرة التي كانت تضمنها أحداث العائلة.
لم يكن "غرفة تخص المرء وحده" أقل روائية من رواياتها، اعتمدت فيه على شخصيات حقيقية ومتخيلة. تتجدد باستمرار ترجمة هذه الدراسة إلى لغات عدة، وتضاف إلى مقدمتها تفاصيل تكشف عن شخصية الكاتبة الغامضة والمعقدة والشفافة حد السذاجة كما يضيف بعض الدارسين لهذا الإرث الأدبي الإنساني العريق والمعاصر في آن. وتقام المحاضرات التي تعنى بالتحليل النفسي لاستكشاف شخصيتها الفريدة التي تنوس بين السعادة والتأمل والاكتئاب والقهر والوسواس والتهكم وحب الحياة ومحاولات الانتحار. في سياق هذا البحث المستمر عن أي أثر لها، يصدر في النصف الثاني من أبريل/نيسان الجاري كتاب "قبلات القرد" عن دار نشر فرنسية، ويضم باقة من المراسلات يكشف عنها للمرة الأولى عالميا بين فيرجينيا وولف وأختها الرسامة فانيسا بيل المرأة الأهم في حياتها. 772 رسالة متبادلة، عثر عليها في مكتبة بريطانية احتفظت بالمخطوطات. وقد دققت هذه الرسائل وطوبقت زمنيا وروعي التسلسل الزمني فيها.
إذا لمحتِ ضوءا يرقص على المياه فهذه أنا. الضوء الذي يضع قبلة على أنفك ثم على عينيك ولا تستطيعين التخلص منه
كانت الأختان تتراسلان يوميا على مدى 35 عاما، وإذا توقفت المراسلات فهذا يعني أنهما معا. كتبت في إحدى هذه الرسائل إلى أختها: "إذا لمحت ضوءا يرقص على المياه فهذه أنا. الضوء الذي يضع قبلة على أنفك ثم على عينيك ولا تستطيعين التخلص منه يا عزيزتي الرقيقة، كم أحبك، وكم أنا عاجزة عن التعبير عما يفعل بي أن أدخل حجرة وأجد أنك تجلسين فيها"- 17 أغسطس/آب 1937.
"القرد" هو اسم الدلع الذي كانت والدة فيرجينيا تناديها به. وكانت تذيل كل رسالة من رسائلها إلى أختها باسمها ثم بقبلة من القرد. وقد كتبت الأختان عن كل شيء، الحياة اليومية والأخبار الخاصة والحميمة والأمومة والحب والعلاقات والسياسة.
تحكي رسائلهما عن سنوات الحرب وفرح الإنجازات الأدبية والفنية. رسائل امرأتين متحررتين مستقلتين كل منهما منارة للأخرى، تحكي عن الأسئلة الوجودية والأمومة.
قطعت فيرجينيا القرن التاسع عشر ودخلت في القرن العشرين ورحلت عن عمر 59 عاما. ألقت بنفسها في نهر الأوس في 28 مارس/آذار. ووجدت جثتها تطفو قرب أحد الجسور على النهر في أواسط أبريل وكان لفقد أمها وأبيها والحرب العالمية الثانية أثر كبير في تدهور حالتها النفسية. فدخلت في اكتئابات عميقة تحكي عنها في رسائلها التي توقفت حين دخلت في حقيقة أخرى هي الموت، هي التي قالت: "هكذا بكل ثقة وفضول سأذهب في أثر الحقيقة أينما وجدت".