تعود الذكرى الخامسة عشر للثورة السورية في الثامن عشر من مارس/آذار هذا العام مصحوبة بعيد النوروز في الحادي والعشرين منه. هنيئا لزهرة عباد الشمس في حقول سوريا والكون، للوردة الجورية في يد غياث مطر، وردة ثورتنا السلمية.
الجورية الصفراء التي تتشكلين بها في شعرك منذ مئات السنين، والتي ورثتها عن جدتك ستتفتح، وسيشتد الرحيل في الحكايات التي تفتح باب القلب على اللحظة، تلعن الطغاة والظلم وتمجد الحرية.
في القصيدة زادنا وخيالنا وثروتنا من الكلمات والأيام والأحلام. تدلنا على الصبر وعلى الظل في هذا السفر. كنا نثور ونحيا ونتحرر ونموت في لحظة واحدة، على هذا الطريق، طريق ثورتنا، قلت لي: "خوامى". ناديتني لأول مرة بلغتك الأم. وأنا عرفت يا "أخت" معناها، الوصية.
كل هذا الصبر، والإصرار على الحياة، والمساواة بين دموع الحزن ودموع الفرح. تلك الشجاعة والطاقة على إنصاف المحبة وتحريرها من الكراهية، كانت مفردات ثورتنا، فعادت إلينا ذكرى الثورة وعاد عيد النوروز على ذات الطريق معها. أسطورة النوروز التي لا تنطفئ نارها في أعالي الجبال. يخرج العيد من غرفة التحقيق والتوقيف وقبضة الاستبداد، يتحرر من المنع ومن القيد المكتوم. سترتمي الأسطورة في دفء حكايتها وبطولاتها، وسيرتمي عيد النوروز في حضن عيد الأم.
انتظرنا طويلا هذا اليوم، بعض الإنصاف هذا القليل من الفرح. وهذه الأفراح المستحقة تأخرت كثيرا على الطريق. ومن المخجل والمجحف والمضني أن تكون قد تأخرت كل هذا الزمن. مضى ألف ربيع وربيع وسقطت ألف وردة ووردة على طريق أحلامنا المشتركة في المواطنة، بانتظار أن يستطيع الأطفال الكرد يا "خوامى" تعلم لغتهم الأم أن يكبروا فيها ويركضوا فيها ويحبوا فيها أيضا ويحلموا فيها ويذهبوا إلى المدرسة. المواطنة المتساوية لنا جميعا ومعا، الحلم الذي نادى به أيضا مواطننا مشعل تمو ودفع حياته ثمنا له.
أتكون هذه البداية؟ لعلها يا أخت، البداية. لا بد أن نثق بالبداية كي تجد طريقها.
خمسة عشر عاما مضت على الشعلة الأولى للثورة السورية السلمية، ثورة الكرامة. لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة. لعلها تتكشف عن لحظات أخرى كثيرة عادلة قادمة. تنجو الأحلام حين نحلم بها. تنجو الحياة، تتذكر أجمل أيامها حين صرخ الشارع "آزادي" في جمعة الحرية.
على مدى أربعة عشر عاما من عمر ثورتنا وأنت تنادينني "خوامى"، أربعة عشر عاما وتغمر الكون المحبة. خرجت السوريات والسوريون في تظاهرات سلمية، وخرجوا في جنازاتهم، وسكبوا الدموع والدم والأغنيات، وكم ضاقت بهم الدنيا، وكم طال الطريق.
لغتك العربية مليئة بالزهور والشمس والبراري والألوان، طبقات كثيفة للفكرة الواحدة، أعماق كثيفة للمعنى. الحناء والوشم والشعر. قصائدك الطويلة تحيرني، أثواب بديعة من الخيال والجمال مرصعة بالنار والبرد والغربة وأنواع وحشية من المجاز والظلال ومن لطف الحنان والوصايا والدلال. يطفح شعرك باللغة العربية العريقة الباذخة العاشقة الحية، فأحبتها لغتنا أكثر.
الخفر المشوب بالتحدي، والوطن المؤجل كجرح مفتوح على الماضي والمستقبل والشجن. نستعيده مفردة مفردة. "خوامى" دون ترجمة كما خلقها ربها في لغتها الأم، فتطمئن الفراشات وتتدفق مياه لم تتدفق منذ خمسين عاما. تعود ذكرى الثورة، وتعود معها أجمل أيام العمر في عمر واحد. لقد خفنا وثرنا وعشنا ومتنا وتحررنا في لحظة واحدة.
كسرنا حاجز الخوف ملايين المرات وانكسرنا ملايين المرات، ونهضت الثورة، وكتبنا الشعر
كل هذه الشجاعات والأغنيات والأمنيات لنا. ولنا هذه الذكرى يا أخت. تعود منذ انطلاقتها حتى اللحظة، لحظة لحظة. والغائبون كثر. كيف سنستطيع إنصاف الذكرى المثقلة بالخسارات والغياب والأمل الذي امتلك قلوبنا. كسرنا حاجز الخوف ملايين المرات وانكسرنا ملايين المرات، ونهضت الثورة، وكتبنا الشعر، وصرخنا في وجه الطاغية وتحررنا من الطاغية. الغائبون كثر، والعدالة تتقدم ببطء تئن تحت ثقل الخسارات. وتعيدنا الذكرى وعودة النوروز إلى الأمل.
الشال الحرير الذي أرسلته لي في قصيدتك، ها هو على كتفي، تطير فراشاته هذه الأيام بألف لون ولون... كأنها تعرف. وها هي مياه بردى تتحرر مثلنا من أعوام مديدة من الجفاف والرفض والعطش.
لذكرى الثورة، لمهدها في درعا، لصداها في كل سوريا، لكل الغائبين والحاضرين، لشقائق النعمان في رباها، للأطفال في الخيام وتحت السيول الأطفال الذين حرموا من المدرسة والتعليم وللذين سيستعيدون حقهم في تعلم لغتهم الأم، لأمهات الشهداء، وللمرأة السورية، لهم جميعا، لهن، رجع صدى شوارعنا.