ياء الفجيعة

ياء الفجيعة

استمع إلى المقال دقيقة

من يتابع قصة التغريبة السورية وبداية تكشف بعض الحقائق بخصوص المعتقلين المغيبين، وانتظار التحقق في مصير مليون حكاية وحكاية، لا بد أنه يتعطش إلى الكشف عن مصير العدالة الانتقالية المغيبة بدورها لعقود خلت.

تتكثف اللحظة ويتكثف التعبير عنها، من خلال محاكمات المجرمين الذين يقبض عليهم تباعا منذ التحرير وحتى اللحظة، كأمجد يوسف وعاطف نجيب وغيرهما، والفظائع التي ارتكبوها، هم المعروفون بالسادية والانحراف الإنساني والحيوانية والطاعة العمياء والرغبة القصوى في تقديم كل مقتلة فردية أو جماعية كولاء أو كأضحية لمقام القائد الأسد.

وصوت العائلات يحكي لينصف الأحبة الذين رحلوا، الذين غابوا، الذين فقدوا... المفتوحة على احتمالات واسعة للفجيعة. في هذه الفترة التي يترقب فيها السوريون والعالم معهم، مسار العدالة الانتقالية وحكايا الوجع السوري، رأيت فيديو لأم أراها للمرة الأولى، أم شابة حلوة لم ألتق آلامها من قبل، كانت تنظر في عين الكاميرا، تمالكت نفسها ما استطاعت وتحدثت للعالم الذي صمت عن قتلنا ويصمت عن قتل الفلسطينيين واللبنانيين والشعب الإيراني والشعب الأوكراني والشعب الروسي، وقالت بلغة جسد حيية كأنها ستنهار داخل جسدها: "قتلولي ابني". كانت تشير إلى نفسها، كمن يشير إلى مرتع طفولة الابن في حضنها. لم تقل "قتلوا ابني" كما تقول الحكايات، ولم تقل "قتل" على يد شبيحة الأسد، قالت: "قتلولي ابني، عذبولي إبني، اعتقلولي ابني"، لا تفارق "ياء الفجيعة" هذه حكايتها. هي لا تزال معه تتلقى صدمة الألم. لا تريد الافتراق عنه. فإذا كانوا قتلوه فهم قتلوا هذا الجسد الذي تشير إليه معه، وإذا كانت تحيا فهو يحيا معها. عاد إليها ابنها ربما في صورة أو وثيقة أو قذفت به جدران السجون أو عاد في فيديو من الفيديوهات التي تغص بها الحقيقة. وها هي وقد تلقت النبأ، تتحول إلى ناطق باسم المقتلة السورية.

"قتلولي ابني"... إنه ابنها فكيف تنفيه في موته بعيدا عنها وتقول "قتلوه". هو لم يرحل في الموت الحق، بل تحت التعذيب، شنقا أو حرقا أو اغتصابا أو تجويعا أو قهرا أو كلها معا. ولكي تقاوم كل هذا العنف، لكي تصون كرامته وحقه في العدالة التي طالما تأخرت واستترت، تمترست هي والذكرى في قلعة الأمومة.

السوريون لم يحزنوا بعد. لا وقت للحزن، كان الحزن أكبر من الوقت، سيحزنون ربما في يوم حداد وطني

في السنوات الماضية تصدرت حكايات كثيرة المشهد العام والأسماع وغابت حكايات. والآن، ومع بدء المحاكمات، كأن الحكايات الأخرى التي لم تقترب، تقترب وتشهد، فللسوريين عبر ثلاثة عشر عاما، مليون قصة عن الفقد، عرفنا بعضها ولم نعرف جلها.

الآن، ومع محاكمات القتلة الذين لم يستطيعوا الهروب من سوريا بعد سقوط الأسد، تظهر في لغة الحكاية المعممة، ياء أخرى ليست بغرض الملكية وليست للمتكلم، هي عاطفة جديدة تقترحها الحكاية على اللغة، الياء الرافضة للفراق والرافضة لاستخدام جمل طويلة كالتي يقصي فيها خطاب سياسي في المسافات بين الأم وابنها، بين الأب وابنه، وبين الحقيقة والعدالة. هذه الياء الجديدة التي تطوف لتوقظ الأحزان، الأغنيات، الأدب، القوانين، العاطفة، الأخلاق، هذه الياء الحميمة الحارة اللصيقة المنتمية التي تقترحها اللغة المحكية على الحكاية، هي "ياء الفجيعة". فالسوريون لم يحزنوا بعد. لا وقت للحزن ، كان الحزن أكبر من الوقت، سيحزنون ربما في يوم حداد وطني، سيأتي بعد تحقيق العدالة  للجميع.

من يستطيع حرمان أم من تعريفها فقدانها لابنها، اختيارها مكانا جديدا لأمومتها القتيلة، تضع نفسها فيه في ذات مرتبة الفقد معه وتضعه في ذات مرتبة الحياة معها. تتصدر اللغة المحكية متن الحكاية في كلمة واحدة لها الكثير من المعاني "قتلولي" ولا تقوى الحكاية على الفصل بين "قتلوا" و"لي".   

لقد قتلوا لرانيا العباسي أبناءها وقتلوا لأبنائها أمهم. ليست التكنولوجيا الجبارة التي تتسيد في طغيانها على الكون هي التي ستعبر عما في قلوب البشر. هي مصنع الطغاة الصغار الذين يفتتنون بالطغاة الكبار عبيدهم وعبيدها، وجميعهم معا يقتلون اللغة.

نستطيع استعارة زخم وقوة اللغة المحكية المباشرة التي لا تنضب فيها الحياة ولا تجف فيها العاطفة كي ننصف الحكاية. في الحكاية أيضا يعترف القاتل بأنه قتل في الأم أبناءها، وفي الجماعة ديناميتها، وفي الثقافة تعدديتها، وفي الحضارة ما يربط إرث الحاضر بالماضي بالآتي، وهذا الخط من الخيال والجمال الذي يختار ما يشاء من المستقبل والأمل.

لكن السرديات التي يصنعها الطغاة، والمجازر التي تحاول خنق الحلم الخاص والعام، مجازر الكذب والطائفية والكراهية والانتقام والفساد والتوحش، تعلو على صوت القانون وتدوس الحقيقة. لذلك لا بد من العدالة على هذه الأرض وللجميع.

ياء الفجيعة هذه هي التي ستحضر بشار الأسد، لص الحياة ولص المال العام ولص البلاد إلى المحاكمة

للسوريين حكاياتهم الفردية حكاية حكاية في الفجيعة، ولسوريا الجريحة حكايتهم جميعا، لها حكاية أبناء البلد المستضعفين المسحوقين المهانين المفقرين الذين عاشوا خارج الزمان والمكان نزعت عنهم إنسانيتهم على يد آلة نظام الأسد. مليون حكاية وحكاية.

وللسوريين لاحقا ما استجد في مجازر الساحل والسويداء وما استجد من قهر.

من أجل الخروج من ضيق الحكاية المغلقة، من الخطابات المكرورة، من قلة الحيلة، أضافت الحكاية إلى فضاء الحكاية العام "ياء الفجيعة" كي لا تضيع الحكاية، كي لا تبتعد عن الضوء فتنسى، كي لا تفقد الحقيقة مع التقادم انتماءها إلى الحق.

ياء الفجيعة هذه هي التي ستحضر بشار الأسد- لص الحياة ولص المال العام ولص البلاد- إلى المحاكمة. وليس هذا سوى حجر من أحجار الأساس في دولة القانون والمواطنة المتساوية.     

  

font change

مقالات ذات صلة