فرانشيسكا ألبانيز

فرانشيسكا ألبانيز

استمع إلى المقال دقيقة

منذ فترة قريبة، تنبهتُ إلى السلسال الذهب البسيط الذي تطوق به فرانشيسكا ألبانيز عنقها.

كان لا بد أن أتنبه في لحظة. قرأت حرفَيْ الكلمة الصغيرة البديعة "حب" تتمدد بخفة على جيدها، ويتعلق كل حرف من حروفها العربية في طرف من طرفَيْ السلسال.

فأحببت أن أصل اللحظة بسياقها التاريخي. كيف أتت هذه السيدة الشجاعة إلى هذا الموقع النضالي، من أين تستمد قوتها ومنطقها وسلامها الداخلي وكيف أوصلها الطريق إلى هذه الكلمة البديعة، وكيف من بين لغات الكون حط الخط العربي على عنقها كطائر حر؟

بحثت عن كتابها الذي صدر أخيرا بالفرنسية نقلا عن الإيطالية، "حين ينام العالم: حكايات، أصوات، وجراح فلسطين" الذي كتبته في لحظة خاصة في حياتها، حين قوطِعَتْ وحُظِر أي تعامل مالي لأي شركة أو فرد في الولايات المتحدة معها. كانت جريمتها أنها نددت بخرق حقوق الإنسان الذي تقوم به إسرائيل.

كان تعيين ألبانيز مقررة خاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية في 2022 قد أثار صخبا على خلفية تصريحاتها في 2014 ووصفها خضوع الولايات المتحدة وأوروبا للوبي الإسرائيلي، بسبب الشعور بالذنب تجاه الهولوكوست. ما أدى إلى اتهامها بمعاداة السامية، فردت أن انتقادها لإسرائيل يتعلق باحتلالها للأراضي الفلسطينية وليس معاداة للسامية.

"الأمر يتعلق باحترام مهنتكم، هذا يتطلب منكم احترام وظيفتكم وتطبيق معاهدات الإبادة وفضح الجريمة. إذا كنا اليوم نمثل احترام القانون الدولي، فليس أمامنا سوى فرض عقوبات على إسرائيل، وإعادة النظر في علاقاتنا الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والاستراتيجية مع هذه الدولة. كي تكون هذه آخر إبادة في تاريخ الإنسانية".

يتضمن كتابها جملة مفتاحية وهي: "التضامنُ صيغةٌ سياسيةٌ للحبّ".

ولدت في بلدة جبلية في جنوب إيطاليا، وكان لديها منذ صغرها حساسية ضد غياب العدالة والظلم بسبب المافيا وجرائمها ضد القضاة والمحامين والصحافيين، حين اغتيل المدعي العام جيوفاني فالكوني في 1992، اشتعلت بلدتُها سيسيليا، بالغضب وتجمع الناس في الجنوب ضد الجريمة المنظمة: "عرفت مذ ذاك أن الشجاعة والتضامن هما دينامو التغيير".

منحتها دراسة الحقوق ملجأ متينا بعد رحيل والدها، التقى مع الحس العميق بالعدالة الاجتماعية الذي يجري في عروقها. أحبت الحياة الثقافية في الجامعة وانخرطت مع طلاب النقد. وحصلت على دبلوم بأعلى معدل، وتعلمت الإنكليزية، ثم على منحة سخية لمتابعة دراستها في القانون الدولي في مدينة ليتشي.

أثناء دراسة العلاقات الدولية، توفرت لها منحة في الأمم المتحدة، هذه المرحلة شجعتها على إكمال الدكتوراه. فاختارت إكمال دراستها في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن.

كان لمرورها في لندن كبير الأثر في طريقها الفكري، حيث اكتشفت النظريات النقدية للقانون الدولي ودراساتٍ حول التطور والتنمية. وتعرّفت للمرة الأولى على فكر إدوارد سعيد عبر "الاستشراق" وكتاباته التي منحتها كما تقول لغةً وإمكانيةَ تأطير وفهم سياسة تقديمِ وصياغةِ وبناءِ "الآخر" والتحيز المحفور عميقا في السرديات الأوروبية المركزية السائدة.

الوصول إلى لحظة عدم الخوف هدف الإنسانية الأسمى الذي تسعى إليه، اللحظة التي تجتمع فيها كل القوانين والفنون وشغف الحياة

ساعدتها أفكار سعيد على رؤية العالم على حقيقته. فمن خلال أفكاره، هو وأنطونيو غرامشي، فهمت كيف تدعم الثقافةُ السلطةَ، وأن المقاومة تبدأ من وضع سرديات السلطة قيد البحث والسؤال.

استقرت في فلسطين لدى الأونروا. وحققت بذلك حلما طالما حملته في قلبها. حقوقية تابعة للأمم المتحدة تعمل في القدس المحتلة: "كنت أقاتل كل يوم من أجل أسس القانون الدولي والمساواة والعدالة والكرامة. وواقع ميزان القوة الرهيب في العالم. لم تكن هذه المفارقة صارخة في أي مكان آخر كفلسطين، حيث ممثلو هذا القانون الدولي يديرون ظهرهم للقانون الذي من المفروض أنهم ممثلوه. هذا التناقض دفعني إلى ترك الأمم المتحدة، كي أجد طريقي باستقلالية أكبر".  

في ذلك الوقت ولدت ابنتها الأولى ليلى. كانت تتظاهر وليلى في حضنها. وفي تلك الفترة كتبت "اللاجئون الفلسطينيون في القانون الدولي" وكان حق تقرير المصير أمرا جليا يضمنه هذا القانون.  

في أفكارها إنصاف ووضوح، ولم يعنِ حيادُها قط اللامبالاة، بل ما يتطلبه البحث من الدقة المنهجية. فالوصول إلى لحظة عدم الخوف هدف الإنسانية الأسمى الذي تسعى إليه، اللحظة التي تجتمع فيها كل القوانين والفنون وشغف الحياة.

تعتمد فرنشيسكا التفاعل مع الآخر والإصغاء والحوار. والمحرك هو الحب، هو الجمال في قلب الدمار، والحقيقة المندثرة خلف الجدران. طفل قُتِلَ في غزة، طبيبٌ عاش الفظائع، فنانٌ منفيّ. كلها أصوات تقول "لا" في وجه هذا اللامعقول. شكرا فرانشيسكا على كل هذا الحب.

font change

مقالات ذات صلة