يصل كأس العالم أو "المونديال" إلينا، مترافقا مع المونديال الحربي المستمر في دوراته التي لا تعد والتي لا تحصى ضحاياها. ومونديال اتفاقات وقف إطلاق النار التي لا تتوقف. حروب تطبق على صدر الأرض وإدانات لهذه الحروب لم تتحول إلى قدرة على وقفها، شعوب منهكة، أشواق الحياة توحد البشرية. والرياضة عالم رحب لاحتضان هذا الضيق.
يصل كأس العالم بعد "جائزة السلام" التي خص بها رئيس "الفيفا" جياني إنفانتينو في ديسمبر/كانون الأول الفائت الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويعلو التحذير من التلوث البيئي الذي سيخلفه النقل الجوي والبري المكثف للاعبين ولأساطيل المشجعين الذي سيقطعون المسافات البعيدة ذهابا وإيابا حيث الملاعب في دول أميركا الشمالية الثلاث التي ستقام عليها المباريات، هذا التحذير يبطن التذكير بخروج الرئيس الأميركي من "معاهدة باريس للمناخ"، ويشيح الجميع النظر عن الحروب ومفاعيلها على البيئة.
سيجني القيمون على هذه الدورة في شرطها الاستثنائي التاريخي هذا وامتدادها لأكثر من شهر وطرائق البث المقترحة، وأسعار البطاقات لدخول الملاعب، الأرباح الطائلة، مقايضة مع متعة وعشق البشر لكرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في العالم. لكن الفرق الرياضية العالمية المشاركة وجماهيرها في أرجاء العالم والحضور منهم يتوقون لهذا اللقاء. وقد بدأوا يحددون مزاجهم الرياضي–السياسي في الهتافات والأعلام التي يرفعونها في الملاعب والشوارع، والقضايا التي تمس قلوبهم مستفيدين بدورهم من منبر البث المباشر العملاق هذا ومستمدين الطاقة بعضهم من بعض.
في خضم ذلك كله، تدق جارتي المكسيكية الشابة بابي وهي تلبس قميص فريق بلادها، ويلبس طفلاها البنت والصبي القميص ذاته، تشكو تركيز الكثير من وسائط الإعلام الغربية والأميركية على مافيات المخدرات في المكسيك، بينما احتضنت افتتاح المونديال وهي تشارك في تنظيم البطولة واستقبال الضيوف على أرضها. حدثتني عن الجدار، وحدثتها عن الجدار.
لم أر ما أواسيها وأواسي نفسي به سوى ثقتي المفرطة بالأمل. تعلو أضواء افتتاح المونديال في المكسيك وكندا وأميركا، ويتابع المسابقات حوالي 6 مليارات إنسان في أرجاء الكرة الأرضية في الملاعب والبث المباشر والمنصات الرقمية الكثيرة. يبهر اللاعبون جمهورهم بما لديهم من طاقات وإبداع ومهارات تتخطى حدود الجسد، وتعلو الكرات وصيحات الجمهور والغناء والتنافس والفرح. وفي الحارات والنوادي التي خرج من رحمها معظم نجوم الكرة، تعلو الكرات في ملاعب صغيرة مقفرة مدمرة في هذه المعمورة.
كلما ازداد الطغيان بأنواعه حلقت الفنون والمهارات الإنسانية بأنواعها وحررت الأمل
ركل دييغو ابن جارتي كرته الصغيرة بقدمه الصغيرة وكسر المزهرية في ركنها الهادئ على الأرض. وعلت أصوات وصافرات الحكام الصغار في الحارات الشعبية والملاعب الترابية والنوادي الرياضية في هذا الكون: غووول. اللعب حق.
على مر التاريخ، لم تنطفئ قط شعلة الأمل، تمررها الشعوب بين بعضها البعض كشعلة الأوليمب. لا مفر من الأمل. وكلما ازداد الطغيان بأنواعه حلقت الفنون والمهارات الإنسانية بأنواعها وحررت الأمل.
كنت قد جربت سابقا مع الأسف، شعور المرارة هذا كما جارتي الآن. حين ابتدع نظام الأسد الابن في سنوات حكمه الأخيرة، صناعة وتجارة المخدرات كداعم لاقتصاد الفساد وكداعم لاقتصاد الحرب وكممول للميليشيات والمافيات، ومرغ اسم سوريا في صناعة وتجارة الكبتاغون، لم ينتم إلى البلاد، تقاسم استثمارها مع حلفائه في فترة حكمه ثم رحل.
تتنافس الفرق الشعبية في الحارات على البطولات ويخلق بيليه جديد معفر بالتراب في أحياء أميركا اللاتينية، وزين الدين زيدان جديد في الجزائر وكريستيانو رونالدو آخر، وعلم فلسطين في يد لامين جمال.
كنت أتحضر وأنا ألم شظايا الهدف المكسيكي الذي هز شباك مزهريتي على الأرض، لقضاء بضعة أيام من المونديال مع عائلة ابني، سنختلف في المواقف والتحليلات الرياضية في البداية، سنكسر المزهريات، وفي النهاية سأشجع ما يشجعون وسأفرح لما يفرحون وسأشتم من يشتمون من اللاعبين والحكام والمصورين والسياسات والحروب كلها والظلم والتمييز العنصري، سنناقش عنجهية إبعاد الحكم الدولي الصومالي عمر عرتن من دخول أميركا، وتفتيش الوفود المبالغ به وطرد الوفود والكثير من المشجعين الذين قطعوا المسافات لتشجيع فرقهم، سوف نعرج على اللعب الحلو والروح الرياضية ونقوم بجردة لبطولات العالم ونفخ البالونات والكرات الصغيرة التي تتطاير.