كشف الاعتداء على موكب محافظ الحسكة في رأس العين، في 22 يوليو/تموز، عن أزمة تتجاوز اضطرابا محليا عابرا. فقد اعترض محتجون الموكب ورشقوا مركباته بالحجارة لدى وصول المحافظ للمشاركة في إعادة افتتاح محطة مياه علوك. وبدل أن تظهر الزيارة تقدما في استعادة الخدمات العامة، كما كان يفترض، أبانت عمق الاستياء من الطريقة التي تدار بها المرحلة الانتقالية في الحسكة.
جاءت الحادثة بعد أسابيع من تصاعد التوتر في أنحاء المحافظة، ولا سيما في مناطقها الجنوبية ذات الغالبية العربية. وتشير اتساع رقعة الاحتجاجات والتهديدات المتزايدة بالمواجهة المسلحة إلى حقيقة واحدة، وهي تعمّق الغضب وتآكل الثقة، بينما تضيق أكثر فأكثر فرص احتواء الأزمة بالوسائل السلمية.
تتعدد أسباب الغضب وتتداخل على نحو وثيق. فالأوضاع المعيشية تواصل تدهورها، في ظل نقص المياه والخبز والوقود. ويتسع الفقر، فيما تفيد تقارير بأن بعض الأسر غادرت المحافظة بعدما عجزت عن تأمين احتياجاتها الأساسية.
كما يثير عجز بعض السكان عن العودة إلى قراهم أو الوصول إلى أراضيهم الزراعية استياء متزايدا. ففي منطقة تنتج جزءا كبيرا من نفط سوريا ومحاصيلها الزراعية، عمّق هذا الحرمان شعور المجتمعات المحلية بأن مصالحها مهملة، وأن القرارات المتعلقة بمستقبلها تتخذ بعيدا عنها.
ويظل مصير المعتقلين الذين احتجزتهم سابقا "قوات سوريا الديمقراطية"، ذات القيادة الكردية، من أبرز القضايا التي تغذي الاحتقان. فقد طالب المحتجون بالإفراج عنهم، وبكشف مصير أشخاص أفادت تقارير بنقلهم إلى العراق أثناء ترحيل سجناء مرتبطين بتنظيم "داعش" في وقت سابق من هذا العام.
ومع أن مسار الدمج بين "قوات سوريا الديمقراطية" والحكومة السورية بدأ قبل سبعة أشهر، لم توضع حتى الآن آلية موثوقة للنظر في هذه المطالب. وأسهم هذا العجز في زيادة التوتر. ففي الحسكة، حيث يضرب انعدام الثقة بالمؤسسات الأمنية القائمة بحكم الأمر الواقع جذورا عميقة، يرى كثيرون في صمت الحكومة علامة ضعف أو لامبالاة.
وأصبحت مسألة التمثيل المحلي موضع خلاف واسع. فقد أثارت التعيينات الإدارية الأخيرة، بما فيها تعيين المحافظ وأعضاء المجلس التنفيذي للمحافظة، أسئلة عن طريقة اختيار المسؤولين، وعن المصالح التي ستدافع عنها المؤسسات الجديدة.
ويقول المحتجون ومنتقدون محليون إن شخصيات مرتبطة بـ"قوات سوريا الديمقراطية" أو بمؤسساتها القائمة بحكم الأمر الواقع حظيت بنفوذ يفوق غيرها، في حين أبعدت مكونات أخرى وشخصيات محلية مستقلة عن القرارات التي ستحدد مستقبل المحافظة.
لهذا، لا يقتصر الخلاف على توزيع المناصب وحده. فثمة شعور متنام بأن القرارات التي تمس الحسكة يجري التفاوض عليها بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" من دون مشاركة حقيقية من السكان الذين ستنعكس نتائجها على حياتهم.
وزاد ضعف التواصل الحكومي من حدة الأزمة. فقد اتهم المحتجون الوفد الرئاسي المكلف بتنفيذ اتفاق الدمج مع "قوات سوريا الديمقراطية" بالتركيز على تقاسم النفوذ وإهمال المظالم المحلية. وقد لا تكون جميع الاتهامات دقيقة أو منصفة، إلا أن شعورا واسعا يسود بأن المجتمعات الغاضبة تدار من أعلى ولا يستمع إليها، ثم يطلب منها قبول قرارات لم تشارك في صنعها.
وبدأ هذا الشعور يدفع بعض الأطراف إلى التلويح بخيارات أشد قسوة. فقد أقامت شخصيات عشائرية أخيرا "خيام حرب"، وهي مراكز قيادة ميدانية تعني، في الأعراف العشائرية، إعلان التعبئة العامة والتخلي عن الوسائل السلمية لمصلحة القوة.
لا يقتصر الخلاف على توزيع المناصب وحده. فثمة شعور متنام بأن القرارات التي تمس الحسكة يجري التفاوض عليها بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" من دون مشاركة حقيقية من السكان الذين ستنعكس نتائجها على حياتهم
ينبغي التعامل مع هذه التهديدات بحذر، من دون تهويل أو استهانة. فهي تدل على تراجع الإيمان بجدوى الضغط السلمي، وعلى أن خيار المواجهة بات أكثر إغراء لدى من يعتقدون أن الاحتجاجات لن تفضي إلى شيء.
ولا تنحصر المخاطر في احتمال نشوب مواجهة عشائرية مع القوات الكردية. فالحسكة ما زالت عرضة لنشاط خلايا تنظيم "داعش"، ولتحركات جماعات مسلحة منافسة، ولتدخل قوى إقليمية قد تستغل الاضطرابات أو تنفذ هجمات لزعزعة استقرار المحافظة. ويمنح الغضب الشعبي وتردي الخدمات والإقصاء السياسي وانعدام الثقة بالسلطات هذه الأطراف فرصة لاستقطاب الأنصار وتقديم نفسها بديلا من سلطة لا تستجيب لمطالب السكان.
وقد ظهرت مؤشرات الخطر بوضوح: احتجاجات تتوسع، واعتداءات على مسؤولين، وتعبئة عشائرية، وحديث علني عن استخدام القوة. ولن يؤدي تجاهلها إلى حماية الاستقرار، وإنما قد يقرب لحظة الانفجار.
لا يزال في وسع الحكومة تفادي هذا المسار، لكن عليها التحرك سريعا. ويبدأ ذلك بالتواصل المباشر مع المجتمعات المحلية، وتوسيع المشاركة في المؤسسات الجديدة في الحسكة، ووضع آليات جدية للنظر في المظالم في مختلف مناطق المحافظة.
وأثبت الاعتداء على موكب المحافظ أن هذه المظالم لم تعد حبيسة الأحاديث الخاصة، بل خرجت إلى الشارع واكتسبت أبعادا سياسية وأمنية أشد خطورة. وعلى دمشق أن تثبت أن الحوار السلمي ما زال قادرا على إنتاج حلول. أما تجاهل هذه الإشارات، فقد يدفع نزاعا قابلا للاحتواء نحو صراع يهدد استقرار الحسكة ويمتد أثره إلى ما وراء حدودها.