كشف اعتقال الناشط الإعلامي بكار حميدي في 12 يوليو/تموز، وما تلاه من احتجاجات، عن واحدة من أكثر المعضلات حساسية في المرحلة الانتقالية السورية: كيف يمكن للدولة مواجهة التحريض الطائفي والعنف خارج القانون من دون أن تبدو وكأنها تجرم الأصوات الثورية أو تمنح شبكات النظام السابق حماية غير مستحقة؟
لم تقدم السلطات أي تفسير رسمي لاعتقال حميدي. وتشير تقارير إلى أن توقيفه ارتبط بمنشورات حرّض فيها على بلدات علوية ومرشدية في منطقة الغاب بريف حماة، مصورا إياها بوصفها متواطئة في انتهاكات النظام السابق. وقد أثار اعتقاله احتجاجات واسعة في منطقته، حيث رأى كثيرون فيه استهدافا غير مبرر لصوت ثوري، في وقت لا تزال فيه محاسبة المسؤولين عن جرائم النظام السابق بطيئة ومحدودة.
تخرج سوريا من سنوات حرب طويلة، فيما لا يزال كثير من الضحايا يرون من ارتكبوا الانتهاكات يعيشون بلا مساءلة. وفي مثل هذا السياق، يصبح مطلب العدالة شخصيا وملحا ومشحونا بالغضب، لا مجرد شعار نظري. ولهذا، يصبح الدفاع عن الخط الفاصل بين المساءلة والانتقام ضرورة لا يمكن التهاون فيها.
منذ سقوط نظام الأسد، شهدت مناطق عدة، خصوصا في حمص وحماة، حوادث متكررة من العنف الانتقامي والطائفي خارج إطار القانون. ويعتقد أن مئات الأشخاص قتلوا خلال المرحلة الانتقالية. ورغم تراجع وتيرة هذه الحوادث، فإنها لم تختف، ما يكشف هشاشة البيئة الأمنية وسهولة انزلاق المظالم غير المعالجة والتوترات الطائفية وضعف إنفاذ القانون إلى دوامات جديدة من العنف وسفك الدماء.
في مثل هذه الظروف، لا يكون التحريض عبر الإنترنت مجرد كلام عابر. فالنشر العلني لأسماء وصور أشخاص يشتبه في ارتباطهم بالنظام السابق، أو الإيحاء بأن بلدات أو جماعات بأكملها تتحمل مسؤولية جماعية عن جرائم الماضي، قد يتحول إلى قائمة أهداف فعلية. وفي بيئة أمنية هشة، يمنح هذا الخطاب غطاء أخلاقيا لهجمات انتقامية، ويعمق خوف جماعات تعيش أصلا تحت تهديد العقاب الجماعي.
لذلك، من الصواب أن تتعامل السلطات مع التحريض بجدية، وأن تحاسب من يؤجج الكراهية الطائفية أو يشجع العنف خارج القانون. غير أن كيفية تحرك الدولة لا تقل أهمية عن تحركها نفسه. فالاعتقالات التي تجري من دون تفسير، والتطبيق الانتقائي للقانون، يقوّضان الهدف الأساسي من المساءلة.
في قضية حميدي، يتيح غياب الشفافية لأنصاره تقديمه بوصفه ضحية، لا بوصفه شخصا يهدد النظام العام. وبالنسبة إلى المحتجين، يبدو ناشطا ثوريا يفضح شبكات النظام السابق، لا محرضا على العنف.
الشرعية الثورية لا يمكن أن تتحول إلى ترخيص بتعريض المدنيين للخطر. كما لا يمكن للدولة الادعاء بأنها تبني سيادة القانون بينما تعتمد على اعتقالات غامضة وتطبيق انتقائي للقانون
وإذا كانت السلطات ترى أن منشوراته تجاوزت الحد وتحولت إلى تحريض، فعليها أن توضح الأساس القانوني للاعتقال، وطبيعة الجريمة المنسوبة إليه، والضرر الذي تعتقد أنه نتج عنها. ومن دون ذلك، قد تقرأ القضية بوصفها عقابا تعسفيا، لا مساءلة قانونية.
كما يضعف الغموض أثر الردع. فإذا كان الهدف منع التحريض الطائفي والعنف خارج القانون، فلا بد أن يعرف الجمهور أن هذا السلوك محظور وله عواقب واضحة. ويجب أن يكون معلوما أن نشر أسماء بطريقة تعرض أصحابها للخطر، أو تصوير جماعات بأكملها بوصفها أهدافا مشروعة، أمر لن تتسامح معه الدولة. أما الصمت، فيبقي القواعد غامضة، ويشجع آخرين على الاعتقاد بأن أفعالهم بلا تكلفة قانونية.
ولا يطمئن غياب الشفافية الجماعات الأكثر تعرضا لهذه الحملات، خصوصا العلويين، الذين يحتاجون إلى رؤية إجراءات واضحة تؤكد أن الدولة لن تسمح بالعقاب الجماعي. ومن شأن التحرك العلني والمتسق ضد التحريض أن يؤكد أن الحكومة لن تقبل بأي شكل من أشكال العدالة خارج القانون.
لا يعني ذلك تجاهل جرائم النظام السابق. بل إن بطء المساءلة الرسمية أحد الأسباب التي تُكسب العدالة خارج القانون تأييدا لدى بعض الضحايا. فعندما يعتقد الناس أن الدولة غير راغبة أو غير قادرة على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، قد يلجأ بعضهم إلى وسائل أخرى لكشف المشتبه فيهم أو معاقبتهم أو ترهيبهم.
لهذا، على السلطات أن تتحرك بسرعة أكبر لإنشاء آليات موثوقة لمحاسبة المسؤولين عن جرائم الماضي، وأن توضح في الوقت نفسه أن القتل الانتقامي والتحريض الطائفي لا يمثلان عدالة.
ولا تستطيع الدولة أن تسمح بطمس هذا التمييز. فالشرعية الثورية لا يمكن أن تتحول إلى ترخيص بتعريض المدنيين للخطر. كما لا يمكن للدولة الادعاء بأنها تبني سيادة القانون بينما تعتمد على اعتقالات غامضة وتطبيق انتقائي للقانون. فالصمت على التحريض يترك جماعات عرضة للانتقام، أما الاعتقالات الغامضة فتحول المساءلة نفسها إلى مصدر للتوتر وانعدام الثقة.
لذلك، ينبغي أن تكون قضية حميدي فرصة لوضع معيار واضح لمواجهة التحريض، لا مجرد معاقبة فرد. وعلى السلطات أن تعلن الأساس القانوني لاعتقاله، وأن تضمن شفافية الإجراءات اللاحقة، وأن تطبق المعيار نفسه على كل من يؤجج الكراهية الطائفية أو يشجع العنف الانتقامي خارج القانون.
وإلا، فإن القضية ستعزز المشكلة التي يفترض أن تعالجها: نظام عدالة ينظر إليه بوصفه انتقائيا وغامضا وملائما للمصالح السياسية.