إزالة الألغام على الحدود السورية... تراجع الدبلوماسية أمام الوقائع

إزالة الألغام تعيد تشكيل استخدامات الأرض، عبر فتح المسارات وتسهيل الحركة

إزالة الألغام على الحدود السورية... تراجع الدبلوماسية أمام الوقائع

استمع إلى المقال دقيقة

في خضم هيمنة أخبار الحرب على إيران، غابت أنشطة إسرائيل في سوريا إلى حد كبير عن دائرة الرصد. غير أن تطورا حديثا يستدعي مزيدا من التدقيق، يتمثل في إسناد عقد إلى شركة دفاعية مرتبطة بالولايات المتحدة لإزالة الألغام على امتداد خط "فضّ الاشتباك" بين إسرائيل وسوريا.

للوهلة الأولى، قد يبدو نزع الألغام إجراء غير ضار، بل وربما عنصرا مُعزِّزا للاستقرار. إلا أنه في السياق السوري الراهن يفتقر إلى الحياد ولا يمكن اعتباره هامشيا؛ إذ يعكس الكيفية التي تُشكّل بها إسرائيل الوقائع الميدانية بهدوء، بينما تتحرك الدبلوماسية في مسار مواز، لكنها تبقى إلى حد كبير منفصلة.

يمثل التوقيت مؤشرا ذا دلالة؛ إذ يأتي هذا العقد عقب تقارير عن تفاهم جرى التوصل إليه بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية في باريس في وقت سابق من هذا العام، بهدف إنشاء آلية للتواصل وتفادي الاحتكاكات، في مسعى لخفض التوترات على امتداد الحدود.

ومع ذلك، لا تشير المعطيات إلى أن برنامج إزالة الألغام يُنسّق مع دمشق أو يندرج ضمن إطار ثنائي أشمل. بل يبدو امتدادا لنهج أوسع تتبعه إسرائيل لفرض ترتيبات أمنية داخل الأراضي السورية بوسائل غير مبررة وتنطوي على مخاطر. فبدلا من دعم الاستقرار، قد تُفضي هذه الإجراءات الأحادية إلى تقويض المفاوضات الجارية وتعقيد المسار نحو بناء بيئة أمنية أكثر استدامة.

ينصّ العقد، الذي حصلت عليه شركة "فور إم ديفنس" التابعة لشركة "أونداس" في مارس/آذار، على تنفيذ أعمال إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة عبر ما يقارب 3000 دونم (نحو 740 فدانا) من الأراضي الخطرة، بالاعتماد على تقنيات متقدمة.

منذ سقوط نظام الأسد، توغلت القوات الإسرائيلية في أراض سورية تتجاوز خطّ "فضّ الاشتباك" لعام 1974، وأنشأت مواقع عسكرية جديدة داخل سوريا

صحيح أن المبرّر الإنساني لإزالة المخاطر المتفجرة يبدو واضحا في المجمل، إلا أن هذا النشاط في المناطق المتنازع عليها لا ينفصل عن أبعاده الاستراتيجية. فإزالة الألغام تعيد تشكيل استخدامات الأرض، عبر فتح المسارات وتسهيل الحركة. ورغم إسهامها المحتمل في حماية المدنيين، فإنها قد تدعم أيضا أنشطة الدوريات، وتطوير بنى المراقبة، وتمهيد الظروف لانتشار عسكري محتمل، بما يفضي عمليا إلى توسيع هامش الحرية العملياتية وتعزيز السيطرة.
وعليه، تكتسب الكيفية التي تُنفَّذ بها هذه الإجراءات أهمية لا تقل عن نتائجها. فإذا جاء نزع الألغام ضمن إطار أمني متوافق عليه، فقد يُسهم في تعزيز الثقة. أمّا تنفيذه بشكل أحادي، فغالبا ما يحمل مخاطر تصعيد التوتر. وفي السياق السوري، يُحتمل أن تنظر دمشق إلى هذه الخطوة باعتبارها إجراء مفروضا يعزّز حرية إسرائيل العملياتية، مع تهميش دور الدولة السورية في القرارات التي تمسّ سيادتها وأمنها على نحو مباشر.
كما يُسهم الأفق الزمني طويل المدى للبرنامج في تعزيز هذه المخاوف؛ إذ إن الجدول الزمني الأولي، الممتد لثلاث سنوات مع إمكانات للتمديد والتوسّع، يوحي بوجود جهد منهجي ومتواصل، وليس بتدخّل ظرفي محدود. ومن ثمّ، تتعزّز الشكوك في أن الهدف يتجاوز إزالة مخاطر المتفجرات، ليشمل تهيئة الظروف لإعادة تشكيل منطقة "فضّ الاشتباك" بصورة أكثر استدامة.
وتزداد هذه المخاوف حدّة بالنظر إلى طبيعة التقنيات المعتمدة؛ إذ يبدو المشروع جزءا من توجه لتوسيع استخدام الأنظمة الذاتية عبر الحدود السورية، بما يشمل المراقبة الجوية، ومكافحة الطائرات المُسيّرة، والعمليات البرية المدعومة بالروبوتات. وفي هذا السياق، يمكن توسيع نطاق البنية التشغيلية ذاتها المستخدمة في إزالة الألغام لتعزيز حرية الحركة وترسيخ السيطرة على امتداد حدود شديدة الحساسية استراتيجيا، وربما إلى ما يتجاوزها.
من منظور دمشق، لا يمكن فصل هذا التطور عن سياق أوسع للاستراتيجية الإسرائيلية. فمنذ سقوط نظام الأسد، توغلت القوات الإسرائيلية في أراض سورية تتجاوز خطّ "فضّ الاشتباك" لعام 1974، وأنشأت مواقع عسكرية جديدة داخل سوريا، ونفّذت عمليات برية وجوية متكررة في القنيطرة ودرعا والسويداء. ورغم تقديم إسرائيل لهذه التحركات بوصفها مؤقتة ودفاعية، فإن استمرارها واتساع نطاقها يثيران مخاوف متزايدة من ترسيخ وجود طويل الأمد على الأرض.
وقد تعزّزت هذه المخاوف عقب قرار الحكومة الإسرائيلية في 17 أبريل/نيسان، الذي وافقت بموجبه على خطة بقيمة 334 مليون دولار لنقل 3000 عائلة من المستوطنين الإسرائيليين إلى مرتفعات الجولان المحتلة بحلول عام 2030.
وعلى الرغم من أن التقارير المتفرقة عن محاولات مستوطنين إسرائيليين التسلل إلى مناطق داخل سوريا بهدف ترسيخ وجودهم لم تُحقق نجاحا حتى الوقت الحاضر، فإنها لم تؤدِّ إلا إلى تعميق هذه المخاوف. وتُعزّز هذه التطورات مجتمعة الاعتقاد بأن الإجراءات الجارية تتجاوز كونها تدابير أمنية مؤقتة، لتشكّل جزءا من مسار تدريجي لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض.

تحقيق الهدوء على طول خطّ "فضّ الاشتباك" لا يمكن أن يتم عبر إجراءات تتجاوز الدولة السورية أو تنتقص من سيادتها

تُشكّل هذه الإجراءات تهديدا مباشرا للمحادثات السورية-الإسرائيلية ذاتها. إذ لا يمكن لآلية تجنّب الصدام أن تحقق أهدافها إذا استُخدمت المساحة التي تُتيحها الدبلوماسية لفرض وقائع ميدانية جديدة. وحتى تكتسب المحادثات فاعليتها، لا بد أن تسهم في تقييد الأعمال العدائية بدل أن تتحول إلى غطاء لها.
إذا أُريد للمفاوضات السورية-الإسرائيلية أن تحقق تقدما، فسيكون لزاما على إسرائيل وقف عملياتها العسكرية في سوريا والتراجع عن الإجراءات التي تعمّق سيطرتها على المنطقة العازلة وما يتجاوزها. وإلا، فإن المسار القائم يُنذر بترسيخ نمط مألوف يقوم على تغييرات تدريجية في الواقع الميداني تتجاوز المسارات الدبلوماسية وتُفرغها من مضمونها.
لا يمكن النظر إلى عقد إزالة الألغام بوصفه خطوة محايدة، إذ إنه يحمل دلالات استراتيجية واضحة، ويعكس مسارا تتبلور فيه ديناميكيات العلاقات السورية-الإسرائيلية بصورة متزايدة عبر التطورات الميدانية، بدلا من الأطر التفاوضية التقليدية.
غير أنّ تحقيق الهدوء على طول خطّ "فضّ الاشتباك" لا يمكن أن يتم عبر إجراءات تتجاوز الدولة السورية أو تنتقص من سيادتها. بل يتطلب ذلك ترتيبات منسّقة ومتبادلة تأخذ في الاعتبار المخاوف الأمنية المشروعة لجميع الأطراف. وإلا فإن الإجراءات الأحادية ستفضي إلى تصعيد التوترات وتعميق عدم الاستقرار.

font change