ماذا تكشف اعتقالات رجال عهد الأسد في سوريا؟

يشير العدد الكبير من الاعتقالات الأخيرة إلى حملة آخذة في الاتساع

ماذا تكشف اعتقالات رجال عهد الأسد في سوريا؟

استمع إلى المقال دقيقة

وسط سيل الأخبار الواردة من سوريا وخارجها، بات اتجاه واحد يصعب تجاهله: تسارع وتيرة اعتقال شخصيات من نظام الأسد السابق. فقد دأبت السلطات الانتقالية، منذ بداية المرحلة الجديدة، على ملاحقة المرتبطين بالأسد، لكن وتيرة الاعتقالات الأخيرة وحضورها العلني يشيران إلى دخول هذه الحملة مرحلة أكثر حزما ووضوحا.

بالنسبة إلى كثير من السوريين، تأخرت هذه الخطوة كثيرا. فالأشخاص المستهدفون يرتبطون ببعض أسوأ أعمال العنف في تاريخ البلاد الحديث. ومجرد رؤية بعضهم موقوفا يبعث برسالة قوية مفادها أن رجالا ظلوا لسنوات محميين بالسلطة، أو بحسابات الاستقرار، ربما لم يعودوا خارج متناول المساءلة.

تستجيب هذه الاعتقالات لغضب شعبي واسع ومخاوف أمنية حقيقية، لكنها ينبغي أن تُفهم بوصفها خطوة أولى، لا غاية في ذاتها. فلن يُحكم على المرحلة الانتقالية في سوريا، ولن يستقر مسارها، بعدد رموز النظام السابق الذين يُعتقلون.

الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الحملات ستدفع باتجاه مسار شفاف للعدالة الانتقالية، وتعزز سيادة القانون بما يساعد على إغلاق أحد أحلك فصول التاريخ السوري. أما إذا لم يحدث ذلك، فإن الاعتقالات التي تُنفذ باسم المساءلة قد تتحول إلى أداة أخرى لإحكام السيطرة.

تبدو هذه الاعتقالات مدفوعة بعدة عوامل، في مقدمتها تصاعد الضغط الشعبي. فمنذ سقوط نظام الأسد، طالبت مجتمعات محلية كثيرة بتحديد المسؤولين عن الجرائم وتقديمهم إلى المحاكم

يشير العدد الكبير من الاعتقالات الأخيرة إلى حملة آخذة في الاتساع، تستهدف مستويات مختلفة من نظام الأسد السابق.
لم يكن بعض المعتقلين شخصيات هامشية. فقد شغلوا مناصب عسكرية وأمنية رفيعة في قلب النظام القديم. من بينهم واصل العويد، نائب رئيس الأركان السابق وإبراهيم محلا، رئيس أركان الفرقة الجوية الثانية والعشرين السابق وجايز حمود الموسى، رئيس أركان القوات الجوية السابق ووجيه علي العبد الله، المدير السابق لمكتب الشؤون العسكرية في عهد بشار الأسد.
وينتمي آخرون إلى آلة القمع المحلية: قادة ميدانيون، وضباط مخابرات، ومسؤولون أمنيون متهمون بإدارة عمليات على الأرض، أو استهداف مجتمعات محلية، أو تسليم منشقين ومقاتلين معارضين إلى قوات النظام. ومن بين هؤلاء خردل أحمد ديوب، الرئيس السابق لفرع المخابرات الجوية في درعا، وسهل فجر حسن، القائد السابق للفرقة الخامسة عشرة في السويداء.
أما المجموعة الثالثة فتحمل ثقلا رمزيا أكبر. فهي تضم رجالا متهمين بالتورط في بعض أكثر جرائم عهد الأسد فظاعة، من الهجمات الكيميائية والمجازر إلى الاغتيالات والانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين. ومن بينهم عدنان عبود حلوة، المتهم بالمسؤولية عن الهجوم الكيميائي على الغوطة عام 2013، وأمجد يوسف، المرتبط بمجزرة التضامن.
تبدو هذه الاعتقالات مدفوعة بعدة عوامل، في مقدمتها تصاعد الضغط الشعبي. فمنذ سقوط نظام الأسد، طالبت مجتمعات محلية كثيرة بتحديد المسؤولين عن الجرائم وتقديمهم إلى المحاكم.
وهذا المطلب ليس مجرد شعار عام. إنه مطلب مجتمعات عاشت تحت الحصار، وعائلات فقدت أبناءها في المعتقلات، وناجين يعرفون أسماء من عذّبوا، ووشوا، وأصدروا الأوامر، أو راكموا مكاسبهم من القمع. والتأخر في التعامل مع هذه المطالب لا يضعف شرعية أي نظام ما بعد الأسد فحسب، بل يواصل أيضا تغذية عمليات القتل الانتقامية، وخطاب الكراهية، والتوترات بين المجتمعات المحلية.
في الوقت نفسه، تتيح الاعتقالات للسلطات إدارة الغضب الشعبي، بينما لا يزال العمل الأصعب، أي بناء إطار موثوق للعدالة الانتقالية، يسير ببطء.

font change