سوريا... أزمة القمح تحتاج إلى أكثر من تدخل رئاسي

إن معالجة الأزمات من دون إصلاح الفجوات المؤسسية التي أنتجتها لا تمنع تكرارها

سوريا... أزمة القمح تحتاج إلى أكثر من تدخل رئاسي

استمع إلى المقال دقيقة

بعد أيام من التوتر الذي أثاره تسعير الحكومة للقمح، وما رافقه من احتجاجات واسعة، صدر في 21 مايو/أيار مرسوم يمنح مزارعي القمح مكافأة مالية إضافية عن كل طن يسلم إلى المؤسسة السورية للحبوب. وقد خفف القرار حدة الغضب، لكن دلالته تتجاوز قيمته المالية، إذ جاء التصحيح من الرئيس، لا من وزارة الاقتصاد التي حددت السعر الأولي.

وللعام الثاني على التوالي، يعاد تصحيح سعر القمح بمرسوم رئاسي، رغم أن التعديل كان يفترض أن يمر عبر القنوات المؤسسية المختصة. ويكشف هذا المسار عن نمط آخذ في التشكل: تدخل رئاسي لمعالجة إخفاقات السياسات العامة من خارج الآليات الإدارية المعتادة للدولة.

قد تمنح هذه التدخلات انفراجا سريعا، لكنها تحمل كلفة سياسية ومؤسسية واضحة. فهي تعزز سلطة الرئيس وشعبيته على حساب مؤسسات ما زالت في طور التشكل، وتترك مواطن الضعف البنيوية التي تولد الأزمات من دون معالجة حقيقية.

صحيح أن القيادة الحاسمة تكتسب أهمية خاصة في مراحل الانتقال، لكن مستقبل سوريا يتوقف على بناء مؤسسات قادرة على تصحيح المسار من تلقاء نفسها، من دون انتظار تدخل رئاسي في اللحظة الأخيرة. هنا يكمن الفارق بين حكم يقوم على الإنقاذ المتكرر، ودولة تملك أدوات إدارة أزماتها قبل انفجارها.

بدأ التوتر في 16 مايو/أيار، حين حددت وزارة الاقتصاد سعر شراء القمح عند 4.6 مليون ليرة سورية قديمة للطن، أي ما يعادل نحو 332 دولارا وفق سعر صرف يبلغ 13.850 ليرة للدولار. وسرعان ما أثار السعر موجة انتقادات واحتجاجات في عدة محافظات.

رأى كثير من المزارعين أن السعر الحكومي لا يعكس الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، بما يترك لهم هامش ربح ضئيلا أو معدوما. وتشير التقديرات إلى ارتفاع تلك التكاليف في مختلف البنود، من البذور والأسمدة والوقود والنقل إلى اليد العاملة والحصاد.

وزاد الضغط بفعل اختلال العملة. فالقمح يسعر بالليرة السورية، بينما ترتبط معظم مستلزمات الزراعة بالدولار. ومع تراجع قيمة الليرة واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والسوقي إلى أكثر من 17 في المئة، تآكلت القيمة الفعلية لما يتقاضاه المزارعون.

وردا على الغضب الشعبي، أصدر الرئيس أحمد الشرع في 21 مايو/أيار مرسوما يمنح مكافأة إضافية قدرها 900 ألف ليرة سورية قديمة، أي نحو 65 دولارا، عن كل طن يسلم إلى مؤسسات الحبوب الحكومية. وبذلك ارتفع السعر الإجمالي إلى نحو 400 دولار للطن، لكنه بقي دون مطالب كثير من المزارعين الذين رأوا أن السعر العادل يجب أن لا يقل عن 450 دولارا للطن.

حقق السعر المعدل هدفه الفوري، فخفف الاحتجاجات وامتص الغضب. لكن الإشكال لا يكمن في التعديل نفسه، بل في الطريقة التي جرى بها. فبما أن السعر الأولي صدر عن وزارة الاقتصاد، كان ينبغي أن يأتي التصحيح عبر المؤسسة ذاتها، ولا سيما أن تسعير القمح يقع ضمن صلاحياتها.

قد لا يكون صدور مرسوم رئاسي لمعالجة قضية اقتصادية أمرا غريبا في سوريا، قبل المرحلة الانتقالية أو بعدها. لكنه يبعث برسالة مقلقة: عندما تخفق المؤسسات، لا يصلح الخلل إلا الرئيس. قد يعزز ذلك موقع الرئيس سياسيا، لكنه يضعف المسؤولين والمؤسسات التي يفترض أن تتولى الحكم.

كان يمكن للرئيس أيضا أن يمنح اتحاد الفلاحين، الذي بقي هامشيا طوال النزاع، دورا أكثر فاعلية. فبدلا من قيادة التفاوض مع الحكومة للوصول إلى سعر عادل، جرى تهميشه

ومن المرجح أن تفهم المكافأة الإضافية كتدخل كريم من الرئيس لتصحيح خطأ الوزارة، حتى لو كان السعر الأولي محكوما بقيود الموازنة. وهكذا يبقى الوزير مرتبطا بالقرار غير الشعبي، بينما يحصد الرئيس الفضل في التصحيح.
ومع تكرار هذا النمط، تتآكل ثقة الجمهور بالمؤسسات الحكومية. إذ يتشجع المواطنون على تجاوز الوزارات والنقابات والهيئات الإدارية، والنظر إلى الرئيس على أنه الطرف الوحيد القادر على حل المشكلات. قد ينجح ذلك في احتواء أزمة واحدة، لكنه يعمق الضعف الذي أنتجها.
وبعيدا عن سؤال من ينال الفضل، فإن معالجة الأزمات من دون إصلاح الفجوات المؤسسية التي أنتجتها لا تمنع تكرارها. وفي هذه الحالة، تكمن المشكلة الأعمق في طريقة اتخاذ قرار التسعير.
كما في سياسات أخرى، يبدو أن تسعير القمح اتخذ بمشاركة محدودة من أصحاب المصلحة، إن وجدت أصلا. وعندما تعلن قرارات كهذه، غالبا ما تفاجئ الفئات الأكثر تأثرا بها. وبغياب قنوات مؤسسية للتعبير، لا يبقى أمامهم سوى الاحتجاج.
وقد تكرر المشهد نفسه العام الماضي، حين أصدر الرئيس الشرع في يونيو/حزيران 2025 مرسوما أضاف مكافأة قدرها 130 دولارا للطن إلى السعر الأولي الذي حددته وزارة الاقتصاد في مارس/آذار 2025 عند 320 دولارا للطن. ويكشف هذا التكرار أن المشكلة لا تكمن في السعر وحده، وإنما في غياب آلية موثوقة لصنع القرار.
كان بإمكان الرئيس، بدلا من تصحيح السعر من أعلى، أن يوجه وزير الاقتصاد إلى إعادة فتح القرار عبر مشاورات مع المزارعين، وضمان إشراكهم بصورة أوسع في قرارات التسعير المقبلة. فوجود آلية شفافة تستند إلى تكاليف الإنتاج الفعلية والفوارق بين المناطق كان سيجعل رد الفعل الغاضب أقل احتمالا، والقرار النهائي أكثر صدقية.
وكان يمكن للرئيس أيضا أن يمنح اتحاد الفلاحين، الذي بقي هامشيا طوال النزاع، دورا أكثر فاعلية. فبدلا من قيادة التفاوض مع الحكومة للوصول إلى سعر عادل، جرى تهميشه، ما ترك المزارعين بلا قناة مؤسسية للتعبير عن مخاوفهم، ودفع بالنزاع إلى الشارع.
لا تحتاج سوريا إلى الدوران في حلقة جديدة من الفشل المؤسسي: وزارات تصدر قرارات غير شعبية، ومواطنون يحتجون، ورئيس يتدخل لاحتواء الأزمة. ما تحتاج إليه هو مؤسسات قادرة على الإصغاء والتعديل والتحرك قبل أن يفيض الغضب. قد يحسم التدخل الرئاسي نزاعا، أما الإصلاح المؤسسي فيمكن أن يمنع انفجاره من الأساس. 

font change