من العجائب والأسرار التي يخبئها التراث العربي والإسلامي أن أحد أكثر النصوص دفاعا عن الانفتاح الفكري لم يكتبها فيلسوف ولا شاعر، وإنما كتبها فقيه ومحدث. ففي الوقت الذي يتصور فيه كثيرون أن كتب التراث تؤسس للانغلاق وتضيق بالاختلاف، نجد أحد كبار علماء وفقهاء القرن الثالث الهجري يفتتح كتابه برسالة بليغة في نقد التزمت الفكري، والدفاع عن تنوع المعرفة، واختلاف الأذواق، والانفتاح على مصادر الحكمة أينما وجدت. والأكثر إثارة أن هذه الرسالة لم ترد في كتاب فلسفي أو فني، بل في مقدمة كتاب "عيون الأخبار" للإمام ابن قتيبة الدينوري، أحد أبرز علماء عصره، حتى غدت تلك المقدمة أشبه ببيان ثقافي يرفض الوصاية على المعرفة، ويقاوم اختزال الثقافة في لون واحد.
عاش ابن قتيبة (213-276هـ) في واحدة من أكثر مراحل الحضارة الإسلامية حيوية وتنوعا. فقد كان القرن الثالث الهجري عصر ازدهار فكري استثنائي، نشطت فيه حركة الترجمة، وتعددت المدارس العلمية، وازدهرت حلقات الفقه والحديث واللغة والأدب، ودارت المناظرات الكلامية والفلسفية، وتجاورت ثقافات العرب والفرس والهنود واليونان في فضاء معرفي واحد. وفي قلب هذا المشهد برز ابن قتيبة بوصفه عالما موسوعيا جمع بين علوم الشريعة واللغة والأدب والتاريخ.
ويعد كتاب "عيون الأخبار" أشهر آثاره الأدبية، وهو موسوعة ثقافية رتبها على موضوعات الحياة المختلفة، فجمع فيها السياسة والحرب، والعلم والزهد، والأخلاق والإخوان، والطعام والنساء، مستعينا بالقرآن والحديث، والشعر والأمثال، وأخبار العرب، وحكم الأمم الأخرى. ولم يكن غرضه جمع النوادر فحسب، بل تكوين المثقف، وتزويده بخلاصة التجارب الإنسانية في أبواب الحياة كافة.
وتتجلى سعة أفق ابن قتيبة منذ الصفحات الأولى للكتاب، حين يتحدث عن مصادره العلمية، فلا يجعل المعرفة حكرا على بيئة أو أمة أو طبقة، بل يصرح بأنه أخذ عمن هو أكبر منه وأصغر، ومن جلسائه وإخوانه، ومن كتب الأعاجم وسيرهم فهو يقول: "فإن العلم ضالة المؤمن، من حيث أخذه نفعه. ولن يزري بالحق أن تسمعه من المشركين، ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين. ولا تضير الحسناء أطمارها، ولا بنات الأصداف أصدافها، ولا الذهب الإبريز مخرجه من الكباء. ومن ترك أخذ الحسن من موضعه أضاع الفرصة، والفرص تمر مر السحاب".
طبق ابن قتيبة هذا المبدأ في كتابه، فنقل عن حكماء الفرس، واستشهد بأقوال منسوبة إلى المسيح عليه السلام، وأورد نصوصا من كليلة ودمنة، وذكر أخبارا من أهل الكتاب والرهبان، إلى جانب القرآن الكريم والحديث النبوي وأشعار العرب وأخبارهم.
تذكرنا كلمات ابن قتيبة بأن الانفتاح ليس فكرة طارئة على تراثنا، ولا قيمة مستوردة من خارجه، بل معنى أصيل عبر عنه أحد كبار علماء الإسلام
غير أن أكثر صفحات المقدمة إثارة هي تلك التي وجهها إلى "المتزمتين". فقد أدرك ابن قتيبة أن كتابا يجمع بين الحكمة والطرفة، وبين الجد والهزل، سيجد من يضيق به، فخاطبهم بقوله: "فإذا مر بك- أيها المتزمت- حديثا تستثقله أو تضحك له، فاعرف المذهب فيه وما أردنا به". وهي دعوة إلى فهم المقاصد قبل إصدار الأحكام، وإلى قراءة النصوص في سياقها، لا بعين الريبة والتشدد.
ثم يمضي أبعد من ذلك، فيرفض أن تصاغ الكتب وفق ذوق فئة واحدة، قائلا: "وإن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك، ولو وقع فيه توقي المتزمتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه". ويضرب لذلك مثلا بديعا، فيشبه كتابه بالمائدة التي تتنوع أطعمتها لتلائم أذواق الجالسين إليها. فالناس يختلفون كما تختلف طبائعهم، والثقافة الثرية هي التي تتسع لهذا الاختلاف، لا التي تختزله في نموذج واحد.
ولذلك لم يجد ابن قتيبة حرجا في أن يورد بعض النوادر أو الألفاظ التي قد يستنكرها بعض الناس، موضحا أن المقصود منها تصوير الواقع أو ضرب المثل، وأن المزاح إذا جاء في موضعه لا يناقض الوقار، كما أن الأدب لا يفقد قيمته لأنه يلامس جوانب الحياة المختلفة.
هذه المقدمة تكشف عن تصور أوسع للثقافة والمعرفة داخل الحضارة الإسلامية. فهي تدعو إلى تنوع المصادر، وتقر باختلاف الأذواق، وتناهض الوصاية التي تريد أن تجعل الثقافة نسخة واحدة يرضى عنها الجميع.
ولهذا تبدو كلمات ابن قتيبة، بعد أكثر من ألف عام، وكأنها تتجاوز زمانها. فهي تذكرنا بأن الانفتاح ليس فكرة طارئة على تراثنا، ولا قيمة مستوردة من خارجه، بل معنى أصيل عبر عنه أحد كبار علماء الإسلام وهو يدافع عن حق الثقافة في أن تبقى أرحب من أن يحاصرها المتزمتون في حدودهم الضيقة.