الهروب إلى الأمام... حين يختنق الحوثي

الهروب إلى الأمام... حين يختنق الحوثي

عندما تتأمل المشهد اليمني اليوم، وتحديدا في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، تدرك بوضوح أن الجماعة تعيش واحدة من أشد أزماتها الداخلية اختناقا، وعلى وقع الفشل الذريع في إدارة أبسط متطلبات الحياة اليومية للمواطن اليمني، لم تجد الميليشيا أمامها سوى ممارسة استراتيجيتها المفضلة، المتمثلة في الهروب إلى الأمام واختلاق أزمات خارجية وهمية للتغطية على الكارثة المعيشية والاقتصادية التي تتفاقم يوما بعد آخر، وهذا الهروب لم يعد يقتصر على التصعيد العسكري العبثي، بل امتد ليشمل صناعة روايات إعلامية مضللة، أبرزها ادعاء المظلومية ومزاعم الحصار، في محاولة يائسة لصرف الأنظار عن حقيقة أن الحوثي هو المحاصر الأول والأخير للشعب اليمني.

واللافت في هذا التخبط الحوثي هو ذلك الوهم الذي تضخمه الآلة الإعلامية للميليشيا، حين تعتقد، أو تحاول إيهام أتباعها، بأنها قادرة على فرض حصار على السعودية، وهي مفارقة تثير السخرية أكثر مما تمثل تهديدا حقيقيا، فكيف لميليشيا تعجز عن توفير رواتب الموظفين في صنعاء، وتعتمد في بقائها على مصادرة المساعدات الإنسانية واختطاف طائرات الناقل الوطني، أن تتخيل، مجرد تخيل، قدرتها على محاصرة قوة إقليمية واقتصادية كبرى؟ هذا التناقض الصارخ يكشف حجم الانفصال عن الواقع الذي تعيشه القيادات الحوثية، ويؤكد أن هذه التهديدات الجوفاء لا تعدو كونها جزءا من أجندة خارجية تملى عليها، فتنفذها بحذافيرها دون أدنى اعتبار لمصلحة اليمن أو شعبه.

ولعل المشهد الأكثر تعبيرا عن هذه الأزمة يتجلى في محاولات الحوثي المستميتة والمتكررة لاستعراض قوته الوهمية عبر حشد المواطنين قسرا إلى ساحة السبعين في صنعاء، وتسويق هذه التجمعات عبر آلته الإعلامية الموجّهة على أنها "مليونيات" مؤيدة لنهج التصعيد، غير أن الواقع الجغرافي والمنطقي يكذب هذه الادعاءات جملة وتفصيلا، فساحة السبعين، بمساحتها وحدودها الجغرافية المعروفة، لا يمكنها استيعاب حشود مليونية كما تزعم الميليشيا، ناهيك عن أن خروج تلك الأعداد يتم أصلا تحت وطأة الترهيب المستمر والابتزاز الوظيفي والمعيشي، ما يجعل هذه التجمعات أقرب إلى مسرحيات إعلامية مكشوفة للداخل والخارج، لا تعكس بأي حال إرادة شعبية حقيقية، بقدر ما تكشف حالة من الرعب الداخلي تدفع الميليشيا إلى اصطناع شرعية زائفة أمام عدسات الكاميرات وتسويق الوهم بوصفه واقعا.

لعل المشهد الأكثر تعبيرا عن هذه الأزمة يتجلى في محاولات الحوثي المستميتة والمتكررة لاستعراض قوته الوهمية عبر حشد المواطنين قسرا إلى ساحة السبعين في صنعاء

والواضح أن هذا التصعيد الحوثي المستمر وغير المبرر، سواء عبر استهداف الممرات المائية الدولية أو محاولات استفزاز دول الجوار، ليس دليل قوة بأي معيار، كما تحاول الميليشيا ترويجه ليل نهار، بل هو انعكاس صريح لحالة من الضعف والعزلة الخانقة، فالجماعة تدرك تماما أن توقف الحرب واستقرار الأوضاع يعنيان بالضرورة مواجهة الاستحقاقات الداخلية التي تتهرب منها منذ سنوات، ويعنيان كذلك انكشاف فشلها الإداري والسياسي الذريع أمام المواطن اليمني الذي أنهكته الجبايات والإتاوات المتواصلة، ولذلك تجد نفسها مضطرة إلى إبقاء حالة الصراع مشتعلة بأي ثمن، تنفيذا لأوامر مموليها الإقليميين من جهة، ولإطالة أمد سيطرتها من جهة أخرى، متجاهلة أن هذه المغامرات لا تزيدها إلا عزلة، ولا تزيد اليمنيين إلا معاناة.

في النهاية، من يقرأ مسار الأحداث يدرك أن الميليشيات التي تبني وجودها على الأزمات لا تستطيع العيش في بيئة مستقرة، والحوثي اليوم يستهلك آخر أوراقه في لعبة الهروب إلى الأمام، متوهما أن التصعيد الخارجي سيحميه من الانهيار الداخلي، لكن هذا الهروب له سقف زمني لا يمكن تجاوزه، وحين تنفد خيارات المناورة وتنكشف الأوراق كلها، ستجد هذه الميليشيا نفسها وجها لوجه أمام شعب يمني أنهكته المغامرات وأدرك منذ زمن أنه كان وقودا لأجندات لا ناقة له فيها ولا جمل، وعندها لن ينفع الهروب لا إلى الأمام ولا إلى الخلف.

font change