ما لم يستوعبه الحوثي بعد

ما لم يستوعبه الحوثي بعد

استمع إلى المقال دقيقة

يبدو لي أن الحوثي ما زال يقيس الحكومة اليمنية التي يواجهها اليوم على صورتها القديمة، حين كانت خلافات المعسكر المناهض له تسبق معركته، وتتوزع الأولويات بين قيادات وتوجهات متعددة، لكن ما شهده جنوب اليمن نهاية العام الماضي ومطلع هذا العام لم ينته عند استعادة المعسكرات وترتيب الأوضاع، لأن قيادة الشرعية استثمرت تلك اللحظة في إعادة بناء مركز القرار تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وضمت إلى المجلس شخصيات فاعلة تملك خبرة عسكرية وحضورًا محليًا، وبدأت تصحيح اختلالات تراكمت طوال سنوات، وهذا تغير ربما لا تظهر نتائجه دفعة واحدة، لكنه لا يجوز للحوثي أن يتعامل معه كأنه لم يحدث.

الأهم من تغيير الأسماء هو أن الحكومة باتت أكثر وضوحًا في تحديد وجهتها السياسية والعسكرية، وشكلت القيادة اللجنة العسكرية العليا لوضع إطار لإدارة القوات والتشكيلات المختلفة، من دون الادعاء بأن عملية الدمج اكتملت أو أن المشكلات انتهت، وقد ظهر من تطورات الساحل والمخا أن أمام الشرعية عملًا كبيرًا في القيادة والتنسيق، كما توجد مؤسسات تستطيع مراجعة الخلل واتخاذ القرار وإعادة ترتيب الميدان، وهذه ميزة لا تتوافر لدى ميليشيا ترتبط قراراتها بتوجيهات خارجية، وتعتبر كل مغامرة عسكرية انتصارًا حتى عندما يدفع اليمنيون ثمنها.

وهناك تحول آخر لم يحسن الحوثي حسابه، يتمثل في عودة القوة الجوية الحكومية إلى الميدان بعد نجاح القوات المسلحة اليمنية في إعادة تأهيل مقاتلات حربية، بالتوازي مع تطوير قدرات الطائرات المسيرة، وقد استخدمت الحكومة الشرعية هذه القوة في ضرب مواقع إطلاق الصواريخ والمسيرات، وإسناد القوات في أكثر من جبهة، ثم بدأت خلال المعارك الأخيرة استهداف تحركات الحوثيين في المخا والطرق المؤدية إلى ذباب، ولا يزعم أحد أن الحكومة حسمت المعركة بعودة الطيران، لكن القادة اليمنيين سحبوا من الميليشيا ميزة التحرك بحرية، ومنحوا القوات الحكومية قدرة كانت غائبة منذ أعوام، وقد يكون أثرها أكبر حين تقترن بمعلومات دقيقة وقرار ميداني سريع.

لا تُختصر معركة اليمن في موقع يتقدم فيه الحوثي أو آخر تتراجع عنه القوات الحكومية، لأن الفارق الحقيقي يبقى بين مشروع دولة قابلة للإصلاح وميليشيا لا تعيش إلا باستمرار الحرب


الحوثي أقدم على مغامرته في تعز والساحل وهو يظن أن المكسب السريع يكفي لتغيير ميزان الحرب، متجاهلًا أن الاقتراب من باب المندب ينقل عملياته إلى مساحة ترتبط مباشرة بأمن الملاحة والتجارة الدولية، كما يصعب فصل هذا التصعيد عن المأزق الإيراني منذ فبراير/شباط الماضي، إذ جاء التحرك في وقت تحتاج فيه طهران إلى الضغط في البحر الأحمر مقابل ما تتعرض له عند مضيق هرمز، واحتفى مسؤولون إيرانيون بما حققته الميليشيا على الساحل، وفي تقديري أن إيران تنظر إلى الحوثي اليوم كورقة تفاوض قابلة للاستخدام أكثر من كونه حليفًا يستحق الحماية، وهو فرق سيدفع ثمنه من يخلط بين خدمة الأجندة الخارجية وبناء مشروع وطني.

وما لا يستوعبه الحوثي أيضًا... أن السيطرة بالقوة لا تمنحه تمثيل اليمنيين، إذ لا يملك حاضنة شعبية حقيقية، وإنما يحكم مناطق سيطرته بالترهيب والإكراه، ويستخدم رواتب الناس وحركتهم ومعيشتهم أدوات للضبط، وكلما هدد الحوثي السفن، ومع ما وثقه خبراء أمميون من أوجه تعاون مع تنظيم "القاعدة" و"حركة الشباب" الصومالية، ازداد تمسك المجتمعين الإقليمي والدولي بالحكومة الشرعية ومؤسسات الدولة، لأن العالم قد يختلف مع أداء الحكومة أو يطالبها بالإصلاح، لكنه لا يستطيع تسليم أمن ممر دولي ومصير شعب كامل لجماعة مسلحة لا تعترف بقانون ولا تلتزم بتعهد.

في النهاية، لا تُختصر معركة اليمن في موقع يتقدم فيه الحوثي أو آخر تتراجع عنه القوات الحكومية، لأن الفارق الحقيقي يبقى بين مشروع دولة قابلة للإصلاح وميليشيا لا تعيش إلا باستمرار الحرب، والشرعية مطالبة اليوم بأن تحول إعادة ترتيبها السياسي إلى كفاءة ميدانية تستعيد الساحل وتحمي باب المندب، وربما ربح الحوثي خطوة في حساب طهران، لكنه وسع دائرة مواجهته وكشف وظيفته أمام اليمنيين والعالم، كما أنه يجهل تمامًا أن ما يعتقد اليوم أنها مكاسب ستتحول في الغد القريب إلى حسرة لا ينساها، ويذكرها التاريخ.

font change