الذاكرة الثقافية

الذاكرة الثقافية

استمع إلى المقال دقيقة

منذ عقود، ظهرت محاولات متعددة لتقسيم المجتمعات إلى أجيال وفق التحولات التاريخية والاجتماعية التي عاشتها، وصولا إلى الجيل الرقمي الجديد "ألفا" الذي ينشأ اليوم في بيئة مختلفة كليا، تحضر فيها التقنية والذكاء الاصطناعي كجزء من تفاصيل الحياة اليومية. ورغم أن هذه التقسيمات ولدت في المجتمعات الغربية، فإن السؤال الذي يعنينا هنا: هل يمكن أن ننظر إلى أجيالنا الثقافية بالطريقة نفسها؟ لا من أعمار أصحابها، وإنما مما صنعوه، وما تركه السابق للاحق.

فالثقافة لا تولد مع جيل ولا تموت برحيله، وقد يغيب الكاتب أو المفكر سنوات قبل أن نكتشف أن أثره ما زال بيننا. لهذا لا أظن أن للأجيال الثقافية تاريخ ميلاد وانتهاء يمكن ضبطه كما نفعل مع الأجيال الاجتماعية. لكن يمكن النظر إليها من خلال التحولات التي صاحبتها. فالصحافة أسهمت في صناعة جيل ثقافي، والجامعات والأندية الأدبية ودور النشر صنعت فضاءات لأجيال أخرى، قبل أن يأتي الإنترنت ومنصات التواصل لتغير مفهوم المثقف وطريقة إنتاجه وعلاقته بالجمهور.

والمشكلة ليست في معرفة الأسماء التي ظهرت في كل مرحلة، فتاريخ الثقافة العربية حافل بالدراسات التي وثقت الأدباء وأعمالهم، وإنما في معرفة الطريق الذي عبرت منه الثقافة بينهم: من أثّر في من؟ ومن فتح الطريق أمام من جاء بعده؟ وما الذي فعلته الصحيفة والمجلة والجامعة والمجالس الثقافية ودور النشر في تكوين تجارب جديدة؟ هذا ما يمكن تسميته "النسب الثقافي"، أن نتجاوز أعمار المثقفين إلى تتبع المعرفة وهي تنتقل بينهم.

ومن خلال هذا التصور يمكن إعادة النظر في الأجيال الثقافية المفقودة، وهي في اعتقادي ليست أجيالا لم تنتج، بل أسماء لم يصل إلينا أثرها بالصورة التي تستحقها. فهناك كتاب نشروا سنوات في الصحافة ولم تجمع أعمالهم، ومثقفون أسهموا في صناعة تجارب غيرهم دون أن يوثق دورهم، ومحررون قدموا أسماء أصبحت أكثر حضورا منهم، وتجارب ظهرت بعيدا عن المراكز الثقافية والإعلامية ولم تنل نصيبها من الدراسة. لذلك قد لا تكون المسافة بين جيلين فراغا ثقافيا، بل مساحة لم يجر البحث والتوثيق فيها بما يكفي.

قد لا تكون المسافة بين جيلين فراغا ثقافيا، بل مساحة لم يجر البحث والتوثيق فيها بما يكفي

وفي السعودية تبدو المسألة أكثر أهمية مع التحولات السريعة التي شهدها المجتمع خلال قرن واحد. فمن الصعب تحديد سنة بعينها بوصفها ميلاد أول جيل ثقافي سعودي حديث، خصوصا أن النشاط العلمي والأدبي سبق المؤسسات الثقافية الحديثة، إلا أن العقود الأولى من القرن العشرين وما تلا توحيد المملكة يمكن أن تشكل نقطة مناسبة لدراسة البدايات، مع نمو التعليم والصحافة والطباعة والنشر.

ثم جاءت وزارة الثقافة وهيئاتها وتشكلت عبرها مراحل متلاحقة من المشهد السعودي، ابتداء بالبرامج الثقافية، وانتقالا للمبادرات الثقافية وربطها بجودة الحياة والأدب في كل مكان ومنها "الشريك الأدبي"، التي وسعت حضور الثقافة في فضاءات جديدة. وتوثيق كل مرحلة منفردة عن غيرها لا يكفي لفهم تاريخها إذا لم نعرف العلاقات التي وصلت بينها: ماذا كتب الرواد؟ ومن قرأ لهم؟ وكيف انتقلت أفكارهم؟ ومن اختلف معهم أو طور تجاربهم؟ ومن أسس المنبر الذي ظهر من خلاله جيل لاحق؟

وهنا يظهر دور وأهمية "أنطولوجيا الأجيال الثقافية السعودية"، ليس لجمع الأسماء باعتبار شهرتها، ولا ترتيب أصحابها بحسب أعمارهم، وإنما للبحث عن الخيط الذي يصل بينهم: من بدأ؟ ومن أكمل؟ ومن أخذ فكرة ممن سبقه ثم ذهب بها إلى مكان آخر؟ على أن تشمل وتجمع الشعراء والروائيين والقاصين والنقاد والمفكرين والمترجمين والصحافيين والناشرين والمسرحيين في مرجع واحد، وتبحث في علاقة كل مرحلة بما سبقها وما أضافته لمن جاء بعدها.

الذاكرة الثقافية لا تحفظها الأسماء وحدها، وإنما تحفظها الصلات الخفية بينها، تلك التي تجعل تجربة قديمة تعيش في تجربة جديدة

ومن هنا يمكن إنشاء مركز لأرشفة ذاكرة الثقافة السعودية، وإعادة قراءتها والبحث في طرق انتقالها بين الأجيال، لأن ما نحتاج إلى حفظه ليس العمل الثقافي وحده، وإنما الحكاية التي تربط تجربة بأخرى، والحلقات التي غابت من السلسلة.

ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس أن نعرف من صنع الثقافة السعودية فحسب، بل كيف وصلت إلينا. أن نتتبع الطريق الذي سلكته الفكرة من كاتب إلى آخر، ومن صحيفة إلى كتاب، ومن مجلس إلى جامعة، ومن جيل سلّم تجربته إلى جيل ربما لم يلتقِ به. فالذاكرة الثقافية لا تحفظها الأسماء وحدها، وإنما تحفظها الصلات الخفية بينها، تلك التي تجعل تجربة قديمة تعيش في تجربة جديدة، وصوتا غاب منذ زمن يواصل حديثه في صوت لم يولد يومها. وحين نستطيع رسم هذه الصلات، سنعرف أن تاريخ ثقافتنا لم يكن أجيالا متجاورة بقدر ما كان سلالة واحدة طويلة من الذاكرة.

font change