بعد الفوز الاستثنائي لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في الانتخابات البرلمانية المحلية في ولاية ساكسونيا-أنهالت، شرق ألمانيا، تعالت في منطقتنا بعض الأصوات المحذرة من إمكانية "عودة الفاشية" إلى ألمانيا، وتالياً أوروبا وكامل المنظومة الغربية، حسب رأيهم.
الأصوات التي تأتت من منابت يسارية وإسلاموية وقومية و"وطنية"، وحينما تكرر ما أعلنته من "تحذيرات" خلال مناسبات سابقة كثيرة أخرى، مثل صعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو نظيره الأرجنتيني خافيير ميلي أو هزيمة التيارات اليسارية في فرنسا، إنما تمارس نوعاً من "المونولوغ النفسي الداخلي"، الذي لا يستهدف إظهار الحقائق السياسية والمسارات الأيديولوجية في أماكن أخرى من العالم، بل يحاول منح النفس نوعاً من "اصطناع الرضا عن الذات"، عبر صبغ سمات متخيلة على الآخرين، والتحذير والتنديد بهم.
فالفاشية، بمعانيها المعرفية والأيديولوجية المعروفة، أو أي مسارات سياسية قد تشكل خطراً حقيقياً ملموساً على جماعة من البشر، لا تنطبق بأي شكل على النماذج والأمثلة "المُحذر منها". بل تكاد الأرضيات الثقافية والمرجعيات الأيديولوجية والمُثل السياسية المتخذة بالنسبة لـ"المحذرين" أقرب إلى الفاشية، مما يحذرون الآخرين منه.
إذ يصعب تماماً إيجاد أية وقائع تدل على ممارسة فاشية واضحة في سلوكيات هذه الجماعات التي يحذرون منها. فالفاشية بما تعنيه من "أيديولوجيا إقصائية" ورؤية محكمة للتنظيم الاجتماعي، واحتكار المنظومة الأخلاقية وفرضها، وما يلحقها من تمجيد للعرق وأسطرة الأمة وطهرانية الشعب، والتسليم بالحكاية الجمعية المغلقة المفروضة على المتن العام وشرعنة العنف المفتوح ضد جماعة أهلية ما في الداخل، و"قداسة الزعيم"، لا تنطبق على هذه التجارب. وذلك بحكم مضامين خياراتها الأيديولوجية والسياسية، لو قُرئت بشفافية وحُسن نية، وتبعاً لنوعية البيئة المدنية الديمقراطية التي انبعثت منها، التي يشكل رفض التطرف الفاشي جوهر وجودها.
فحزب "البديل من أجل ألمانيا" يطالب بأشياء من قبيل تقليص الهجرة ووقف اللجوء بشكل جذري، ويريد اقتصاداً متحرراً من أنظمة الضرائب والسياسات المناخية، وتقوية الجيش الألماني وتقليل الاعتماد على المنظومة الأوروبية وحماية حلف "الناتو". يدعو الحكومة لدعم الزواج والاستقرار الأسري ورفع معدلات الولادة، عبر تقديم حوافز مالية وبيروقراطية للأسر الأكبر عدداً، مثل الرعاية المجانية لأطفال الأمهات العاملات.
لو أُتي بهذا القالب السياسي لواحدة من بلداننا مثلاً، لاعتُبر مجرد "حزب وطني". فالأسس الأيديولوجية والنزعات السياسية التي يعلنها هذا الحزب موجودة فعلياً في خطابات وسلوكيات كل الأحزاب السياسية الراهنة في بلداننا، وبشكل اعتيادي، دون أن تكون محل تخوف من الأصوات المتخوفة نفسها مما يجري في ألمانيا وأمثلة أخرى عبر العالم.
المنطق نفسه ينطبق على أمثلة عالمية أخرى، أثارت عين المخاوف والتحذيرات. فالرئيس ترمب في ولايته الرئاسية الأولى، وعلى الرغم من كل ما أثير حوله من لغط ثقافي وسياسي، لم يتخذ أية سياسات ذات طابع "فاشي" أو حتى "عنصري". فاستراتيجيته وقراراته وسلوكياته مالت لأن تكون مجموع الإفراط في النزعة الشخصية ومعاداة البيروقراطية، ليس أكثر. وهي سمات طافحة الحضور في نماذج أنظمة الحكم في الكثير من البلدان.
لو كان مسموحاً للتنظيمات بأن تمارس حرية الاختلاف السياسي والأيديولوجي ضمن المنظومة الديمقراطية، فإن قيمها العليا تبقى ثابتة ومحمية غير قابلة للإزاحة
يحدث هذا "اللغط" بكثافة في النقاشات السياسية والثقافية العامة في بلداننا نتيجة لما يمكن تسميته سوء فهم عميق لما يجري في العالم، والذي قد يكون لأسباب موضوعية غالباً، دون أن تغيب عنه الأسباب الذاتية.
فمثلاً لا يتم الاعتراف بأن كل هذه الأحداث تبدو مثيرة واستثنائية لأنها تجري في "التجربة الغربية"، التي قدمت خلال تاريخها الأحدث، على الأقل، عقب الحرب العالمية الثانية، مجموعة من القيم الأيديولوجية والخطابات السياسية التي تنبذ النوازع السياسية ذات الطابع "المحافظ" و"الوطني" و"المركزي". فالتجربة الغربية هي "صاحبة الفضل" في إبراز سلبيات ومخاطر هذه النزعات، التي تبدو في غيرها من التجارب عادية للغاية، بل مطلوبة وذات شعبية واسعة ومتواصلة.
كذلك لأنه لا يتم التمييز بين الخيارات الذاتية والسلوكيات الشخصية لبعض البارزين في هذه التجارب، وبين الاستراتيجيات والقواعد التي تسير عليها التنظيمات التي ينحدرون منها ضمن القانون العام. فسلوكياتهم متأتية من طبيعة الحريات الليبرالية في تلك البلدان، وإن كانت في بعض الأحيان تأخذ طابعاً متشدداً أو حتى عنصرياً. لكن تنظيماتهم مضبوطة بإحكام شديد، لا يمكن إزاحتها بسهولة، لأنها تنظيمات وتيارات ضمن شروط التجربة الديمقراطية، بكل ثوابتها وقيمها ومؤسساتها والوعي الشعبي حولها، المكرس بفعل التجربة والتراكم التاريخي المديد. فلو كان مسموحاً للتنظيمات بأن تمارس حرية الاختلاف السياسي والأيديولوجي ضمن المنظومة الديمقراطية، فإن قيمها العليا تبقى ثابتة ومحمية غير قابلة للإزاحة، وعلى رأسها أمور مثل مناهضة الفاشية ورفض العنصرية ونبذ العنف على أساس الهوية، وأشياء كثيرة أخرى.
أخيراً، فإن مختلف التجارب هذه حدثت نتيجة لعوامل من خارج "المنظومة الغربية"، وعلى رأسها أزمات المهاجرين، وبعدما صارت قطاعات مجمعية وازنة تؤمن بأن القيم والآليات الديمقراطية التقليدية غير قادرة على التعامل مع هذا الملف، المؤثر على هويتهم وثقافتهم ومستقبل ديمقراطيتهم. بمعنى أن ما يحدث ليس أزمة داخلية متعلقة بـ"فشل نظامهم الديمقراطي"، كما تحبذ الكثير من الأوساط أن تنعت ما يجري، بل نتيجة صِدام ذلك النظام بعامل طارئ من خارجها. وهو أمر سبق أن تكرر في تجارب عالمية لا تُعد، حينما كانت الحروب والكوارث تطرأ على بلد ما، فتضطر الدولة للاستعانة بما هو خارج المنظومة العامة الاعتيادية، وإن بشكل مؤقت.