بينما تنضح التغطيات الإعلامية والتحليلات السياسية للحرب الراهنة بين إيران والولايات المتحدة بكمية فائضة من المصطلحات والأرقام والاستراتيجيات والتوقعات الخاصة بوقائع ومصالح وتطلعات طرفي الحرب، ثمة تجاهل لكتلة هائلة من البشر والمجتمعات الواقعين في تقاطع ومرمى نيران الطرفين، الذين حطمت الحرب تفاصيل يومياتهم، وأنماط الحياة من حولهم، وخطوط الإنتاج واستقرار المؤسسات ومسارات المستقبل التي كانوا يخططون لها. عشرات الملايين هؤلاء صاروا يشكلون الوقود المجاني والضحايا غير المرئيين لهذه الحرب، أياً كانت نتائجها، ودون أن يكون لهم أي رغبة أو غاية منها.
فمدينة أربيل التي يعيش فيها كاتب هذه المقالة منذ سنوات تعرضت طوال الشهور الماضية لأكثر من ألف هجمة جوية، وهي مدينة تأسست وتطورت خلال السنوات الماضية بشكل استثنائي، معتمدة على معادلة بسيطة للغاية، هي جمع الارتقاء الاقتصادي بشرط الحريات المدنية وسيادة قيم السلام الاجتماعي عبر آلية العيش المشترك، لتخلق نموذجاً لافتاً من التنمية البشرية خلال سنوات قليلة، فجمعت قادمين من مختلف دول المنطقة.
لكن الارتياب والقلق صار يغطي مختلف مناحي الحياة فيها راهناً. فالهجمات الجوية والتهديد بالمزيد منها صار عاملاً قاهراً يضغط ويعيد تشكيل كل شيء قد تصادفه وتحتاجه في هذه المدينة: الحياة المدرسية وأسعار الوقود وحركة البناء والضبط الأمني واستقرار العائلات وحركة الطيران المدني ومشاريع الطاقة والمقيمين الأجانب والخدمات الصحية ووسائل الإعلام المحلية والحياة السياسية، وكل تفصيل آخر قد يخطر على البال.
تشبه الكثير من مُدن المنطقة أربيل في حالها، وهي مثلها لا تُدرك المسارات المتوقعة لهذه الحرب، ولا الأفق الذي يمكن أن تستقر عليه مستقبلاً، ودون أن يبالي أي من المتحاربين بما يحدث وسيحدث بحق هؤلاء الذين ليس لهم أي شيء في هذه الحرب.
التراجيدي في المسألة أن خسارة هذه الجغرافيات ومجتمعاتها حتمية وثابتة في حال، أياً كانت مسارات ومخارج ونتائج هذه الحرب.
فهزيمة النظام الإيراني لن تكون قبل استدعائه لكمية هائلة من الجماعات الأهلية والفصائل المسلحة والحساسيات الأهلية والخطابات الطائفية، لتخوض حرباً عدمية في كل حدب، ليس لها من مقصد خلا إيذاء الآخرين، خاصة الذين ليس لهم أية علاقة بالحرب. فالنظام الإيراني جنّد وراكم جهداً رهيباً من مُقدراته طوال قرابة نصف قرن كامل، لتجهيز كامل الإقليم المحيط بإيران بمثل تلك "المفرقعات"، ليستخدمها في لحظة مثل هذه.
هذا المسار الذي لو حدث؛ فإنه سيحطم دائرة الحياة لمئات الملايين من البشر، ناشراً أشكالاً من العنف والكراهية والدمار العميم، وسيشيد أنواعاً من الاحتقان، وسيحول المساحات المشتركة جغرافياً وحياتياً بين مجتمعات عدد من دول المنطقة إلى خطوط تماس انفجارية. سواء داخل كل دولة، أو بين مجتمعات تلك الدول والشعب الإيراني نفسه، الذي سيتحول برأيها إلى وريث لما اقترفه النظام الحاكم.
النظام الإيراني جنّد وراكم جهداً رهيباً من مقدراته طوال قرابة نصف قرن كامل، لتجهيز كامل الإقليم المحيط بإيران بمثل تلك "المفرقعات"، ليستخدمها في لحظة مثل هذه
الخيار النظير، القاضي بخروج النظام الإيراني "سالماً" من هذه المواجهة، ولو بشكل نسبي، سيعني تحوله إلى "شبح إقليمي"، لا تستطيع أي قوى أو طروحات ردعه. حيث سيسرع من مساعيه للسيطرة المباشرة والكاملة على العراق أولاً، وإعادة دور "حزب الله" في لبنان إلى ما كان عليه قبل سنوات ثانياً، وتجنيد الطرفين لمحاصرة الوضع الجديد في سوريا، وستتحول المناطق اليمنية المُسيطر عليها من الحوثيين إلى بؤرة لابتزاز كل ما يحيط بهم. ولن يكون ذلك دون إعادة إحياء تطلعات التمدد عبر مساحات بعيدة جداً عن حدود إيران، في أفريقيا والقوقاز والبلقان وحتى أميركا الجنوبية، مستخدماً نفس الخطابات والاستراتيجيات التقليدية، التي تجمع بؤس التحريض الطائفي وبؤس المظلومية الطبقية والهوياتية.
لن تكون اللوحة مختلفة كثيراً لو خُتمت الحرب بتوافق سياسي بين الطرفين، لأنه لن يعني إلا تأجيلاً مؤقتاً للحظة الانفجار التالية، الحتمية أيضاً، والتي ستكون دون شك أشد حدة وأوسع مدى في تأثيراتها. بدلالة سيرة النظام الإيراني طوال عقود كثيرة ماضية، حيث لم تُغير الهُدن والتوافقات والتحولات السياسية الكثيرة، التي حدثت داخله ومن حوله، وفي كل العالم، لم تُغير أي تفصيل من بنية استراتيجيته، التي بقيت ثابتة ومتيقنة من نجاعة هذا السلوك فحسب.
مع احتساب كل ذلك، يحضر السؤال الأكثر حصافة: أي فداحة أنتجت نظاماً سياسياً وأوصلته ليكون بهذه الشروط، حيث تؤدي كل المسارات المتعلقة به إلى أذية الآخرين، الذين لم يمسوه بشيء، ومدوا له دوماً أيادي التعاون والتواصل الإيجابي. وأي أدوار للأيديولوجيات المغلقة والخطابات الرنانة وأولوية العنف على الحياة والغرق في الوعي العسكري والارتياب من شيء، خلقت نظاماً مركباً ومستنداً لكل ذلك.