في كل تفصيل منه، يدل رحيل الفدائي الياباني كوزو أوكاموتو، وما لاقاه من إغفال إعلامي وتجاهل سياسي، على تطابقه مع القضية التي أفنى حياته في سبيلها. من قضية كانت جوهر العالم وأكثر قضاياه حيوية، إلى هامشها الأكثر برودة وعادية.
فرحيل أوكاموتو كان المشهد الأخير من "نموذج نضالي عالمي" خاص، تمركز حول المسألة الفلسطينية في عقدي الستينات والسبعينات من القرن المنصرم. كان الملتحقون به يأتون من مشارب عالمية شتى، تشدهم الأيديولوجيات والخطابات اليسارية، بالذات أكثرها رومانسية وثورية وثقة بنفسها. كان هؤلاء مأخوذين بفكرة بسيطة مفادها أن المسألة الفلسطينية هي مركز كل مظلومية، وبذا هي جوهر السياسة في العالم المعاصر، وعلى أساسها يُقاس كل سؤال أخلاقي.
تتشابه السيرة الشخصية والسياسية لأوكاموتو مع هوية ومسالك ومصائر التنظيمات التي انجذب وانخرط فيها، ومثله آلاف الحالمين الآخرين. فالشاب الياباني الذي ولد وترعرع في أواسط الأربعينات من القرن المنصرم، أي في اللحظة التاريخية التي كانت اليابان تشهد نهضتها التنموية الثانية، وبروح عامة طافحة بالشاعرية، عقب المرحلة الفاشية المريعة، رفض شرط الحياة العامة في بلاده وقتئذ، على الرغم من انحداره من أبناء الطبقة الوسطى، حيث كان والده تربوياً رفيعاً، بينما فشل في دخول الجامعة التي استوعبت إخوته الآخرين، ولم يتمكن من إنهاء دراسته. قفز أوكاموتو فوق تلك الشروط الشخصية والوقائع اليابانية الجذابة، وانتسب للجيش الأحمر الياباني، الذي كانت أفكاره وسلوكياته مؤلفة مزيجا من الأيديولوجيا الثورية والعنف العدمي.
في الخامسة والعشرين من عمره غادر أوكاموتو بلاده إلى لبنان، وهناك تلقى تدريباً سريعاً على يد التنظيمات الفلسطينية، ومنها إلى ألمانيا، التي غادر منها إلى إسرائيل، تنفيذاً لخطة مرسومة. فأوكاموتو مع اثنين من رفاقه الآخرين فتحوا نيران رشاشاتهم الآلية على المدنيين في "مطار اللدّ"، ما أودى بحياة 25 ضحية، من بينهم الكثير من الأطفال، وإصابة عشرات آخرين. لاقت العملية صدى عالمياً، فيما حُكم على أوكاموتو بالسجن مدى الحياة، لكنه خرج في عملية لتبادل الأسرى بعد عقد ونصف، فتنقل بين ليبيا وسوريا، وأخيراً استقر في لبنان، الذي سُجن فيه لمدة ثلاث سنوات، ثم حصل على اللجوء السياسي بشروط سياسية وسلوكية صارمة، وهناك عاش أيام شيخوخته، مع عدة أمراض جسدية ونفسية.
مع تحولاته الذاتية تلك، فإن القضية الفلسطينية بذاتها لاقت تغيرات موازية. فالسؤال الأخلاقي الخاص بها أصبح يُطرح بصيغة مختلفة تماماً، ويبنى على أساس أن القضية الفلسطينية، ومهما كانت جدارتها السياسية والأخلاقية والحقوقية، فلا يحق لأحد أن يمارس باسمها وفي ظلالها ممارسات تتجاوز المعايير الاعتيادية لمدى وحدود العنف المقاوم، الذي لا ينبغي أن يكون مفتوحاً وعدمياً بأي شكل، ويطال المدنيين ولا سيما الأطفال، بغض النظر عن عدالة القضية الفلسطينية، وأياً كانت فداحة السلوك الإسرائيلي المقابل.
في السياق نفسه، كان السؤال السياسي الخاص بالمسألة الفلسطينية يتغير بدوره. فالفلسطينيون أولاً، ومثلهم كل المنشغلين والمنخرطين في قضيتهم، لم يعودوا يدركون مسألتهم بكونها موضوعة قابلة لحل ناجز وتام في المدى المنظور من الزمن، يمكن لها أن تشهد "ضربة قاضية" لصالح الفلسطينيين. بل ساد وعي مباينٌ تماماً تجاهها. فالفاعلون السياسيون والتيارات الفلسطينية الأكثر عقلانية وقابلية لتحقيق نتائج موضوعية على أرض الواقع، غدوا يُدركون مسألتهم كقضية شديدة التركيب، متسربة إلى عمق الوقائع الحياتية اليومية لملايين البشر، ومثلهم التوازنات الإقليمية والدولية، تراكمت بسببها معادلات معقدة طوال قرن كامل، ولذا لا يُمكن حلها أو تفكيك بؤر التوتر داخلها إلا بمسار سياسي طويل، قائم على الإيمان بحتمية التوصل إلى توافقات موضوعية بين المتصارعين.
كانت تجربة أوكاموتو جزءاً اعتيادياً مما كان عليه العالم في زمن سابق، حقبة الثوريين الحالمين والحكايات الكبرى، حينما كان العالم صاخباً بالرؤى التي تريد "إنقاذ العالم" وخلاصه من "الأشرار الواضحين"
كانت تجربة أوكاموتو جزءاً اعتيادياً مما كان العالم في زمن سابق، حقبة الثوريين الحالمين والحكايات الكبرى، حينما كان العالم صاخباً بالرؤى التي تريد "إنقاذ العالم" وخلاصه من "الأشرار الواضحين"، حينما كانت التطلعات الأيديولوجية ترى إمكانية للوصول الواضح للأماني بالثورات والأفعال الناجزة. ذاك الزمان الذي ولى مع تبدد التجربة السوفياتية، وصعود التجارب الوطنية التي بحث ملايين المواطنين في إطارها عن منجزات تفصيلية، تتعلق بالتنمية وتعزيز دور المؤسسات وأدوار القوانين وتمتين الحريات العامة والتجارب الديمقراطية.
لم تكن التجربة الفلسطينية خارج السياق الكلي الذي تحول به العالم، بكل ما تحمله القضية الفلسطينية من شروط الأحقية وقيم العدالة. فهي في نهاية المطاف جزء من مسارات دولية وتغيرات الأفكار والأيديولوجيات الكبرى التي تعج بها. وهي لم تكن وحدها كذلك، بل طابقتها باقي المسائل التحررية لمختلف الشعوب والمناطق.
في أواخر حياته أصابت أوكاموتو تبدلات جذرية، فخاض تجربة روحية/دينية مخالفة لمعتقده الأيديولوجي الأولي، وصرح لأكثر من وسيلة إعلامية عن شعوره بالحنين والرغبة بالعودة إلى بلاده، دون أن يعبّر عن أسفه على الضحايا الذين سقطوا جراء ما فعل.